وأما الخسران : فما أشد خسرانه بعد هذا الحكم عليه من اللّه تعالى .
وإذا كان المعنى قد تعين بنص القرآن في الهلاك والخسران ، فما معنى إسناد التب لليدين ؟
الجواب : أن ذلك من باب إطلاق البعض وإرادة الكل كما تقدم في قوله تعالى :
ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ
[ العلق : 16 ] ، مع أن الكاذب هو صاحبها .
وقد قدمنا هناك أن مثل هذا الأسلوب لا بد فيه من زيادة اختصاص للجزء المنطوق في المعنى المراد .
فلما كان الكذب يسوّد الوجه ويذل الناصية ، وعكسه الصدق يبيّض الوجه ويعز الناصية ، أسند هناك الكذب إلى الناصية لزيادة اختصاصها بالكذب عن اليد مثلا .
ولما كان الهلاك والخسران غالبا بما تكسبه الجوارح ، واليد أشد اختصاصا في ذلك أسند إليها البت .
ومما يدل على أن المراد صاحب اليدين ، ما جاء بعدها ، قوله تعالى :
وَتَبَّ ،
أي أبو لهب نفسه .
وسواء كان قوله تعالى :
تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ ،
على سبيل الإخبار أو الإنشاء ، فإنه محتمل من حيث اللفظ .
ولكن قوله تعالى بعده :
وَتَبَّ ،
فهو إخبار ، فيكون الأول للإنشاء كقوله :
قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ
[ عبس : 17 ] .
ثم جاء الثاني تصديقا له ، وجاءت قراءة ابن مسعود
وَتَبَّ
.
قوله تعالى :
ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ ( 2 )
[ 2 ] .
سواء كانت ما استفهامية فهو استفهام إبكار ، أو كانت نافية فإنه نص ، على أن ماله لم يغن عنه شيئا .
وقوله :
وَما كَسَبَ .
فقيل : أي من المال الأول ما ورثه أو ما كسب من عمل جرّ عليه هذا الهلاك ، وهو عداؤه لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .
ونظير هذه الآية المتقدمة
وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى
[ الليل : 11 ] .