تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
قوله تعالى :
كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا
[ 20 ] . ضرب اللّه في هذه الآية المثل للمنافقين بأصحاب هذا المطر إذا أضاء لهم مشوا في ضوئه وإذا أظلم وقفوا ، كما أن المنافقين ، إذا كان القرآن موافقا لهواهم ورغبتهم عملوا به ، كمناكحتهم للمسلمين وإرثهم لهم ، والقسم لهم من غنائم المسلمين ، وعصمتهم به من القتل مع كفرهم في الباطن ، وإذا كان غير موافق لهواهم ، كبذل الأنفس والأموال في الجهاد في سبيل اللّه المأمور به فيه وقفوا وتأخروا . وقد أشار تعالى إلى هذا بقوله :
وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ( 48 ) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ
( 49 ) [ النور : 48 - 49 ] . قال بعض العلماء :
كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ
[ البقرة : 20 ] أي : إذا أنعم اللّه عليهم بالمال والعافية قالوا : هذا الدين حق ، ما أصابنا منذ تمسكنا به إلا الخير ،
وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا
[ البقرة : 20 ] أي : وإن أصابهم فقر أو مرض أو ولدت لهم البنات دون الذكور . قالوا : ما أصابنا هذا إلا من شؤم هذا الدين وارتدوا عنه . وهذا الوجه يدل له قوله تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ
( 11 ) [ الحج : 11 ] . وقال بعض العلماء : إضاءته لهم معرفتهم بعض الحق منه ، وإظلامه عليهم ما يعرض لهم من الشك فيه . قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 21 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ
[ 21 - 22 ] . أشار في هذه الآية إلى ثلاثة براهين من براهين البعث بعد الموت وبينها مفصلة في آيات أخر . البرهان الأول : خلق الناس أولا المشار إليه بقوله :
اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
[ البقرة : 21 ] لأن الإيجاد الأول أعظم برهان على الإيجاد الثاني ، وقد أوضح ذلك في آيات كثيرة كقوله :
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
[ الروم : 27 ] الآية وقوله :
كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ
[ الأنبياء : 104 ] ، وكقوله :
فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
[ الإسراء : 51 ] ، وقوله :
قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ
[ يس : 79 ] ، وقوله :
أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ
[ ق : 15 ] الآية ، وكقوله :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ
[ الحج : 5 ] ، وكقوله :
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى
[ الواقعة : 62 ] الآية .