نحن بصددها ، وإن كانت في المنافقين ، فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب .
قوله تعالى :
وَبَرْقٌ
[ 19 ] .
ضرب تعالى المثل بالبرق لما في القرآن من نور الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة .
وقد صرح بأن القرآن نور يكشف اللّه به ظلمات الجهل والشك والشرك . كما تكشف بالنور الحسي ظلمات الدجى كقوله :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً
( 174 ) [ النساء : 174 ] وقوله :
وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا
[ الشورى : 52 ] وقوله :
وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ
[ الأعراف : 157 ] .
قوله تعالى :
وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ
( 19 ) [ 19 ] .
قال بعض العلماء : محيط بالكافرين : أي مهلكهم ، ويشهد لهذا القول قوله تعالى :
لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ
[ يوسف : 66 ] أي : تهلكوا عن آخركم . وقيل : تغلبوا .
والمعنى متقارب ، لأن الهالك لا يهلك حتى يحاط به من جميع الجوانب ، ولم يبق له منفذ للسلامة ينفذ منه . وكذلك المغلوب . ومنه قول الشاعر :
أحطنا بهم حتى إذا ما تيقنوا * بما قد رأوا مالوا جميعا إلى السلم
ومنه أيضا بمعنى الهلاك قوله تعالى :
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ
[ الكهف : 42 ] الآية . وقوله تعالى :
وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ
[ يوسف : 22 ] الآية .
قوله تعالى :
يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ
[ 20 ] .
أي : يكاد نور القرآن لشدة ضوئه يعمي بصائرهم ، كما أن البرق الخاطف الشديد النور يكاد يخطف بصر ناظره ، ولا سيما إذا كان البصر ضعيفا ؛ لأن البصر كلما كان أضعف كان النور أشد إذهابا له . كما قال الشاعر :
مثل النهار يزيد أبصار الورى * نورا ويعمي أعين الخفّاش
وقال الآخر :
خفافيش أعماها النهار بضوئه * ووافقها قطع من الليل مظلم
وبصائر الكفار والمنافقين في غاية الضعف . فشدة ضوء النور تزيدها عمى . وقد صرح تعالى بهذا العمى في قوله :
أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى
[ الرعد :
19 ] وقوله :
وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ
( 19 ) [ فاطر : 19 ] إلى غير ذلك من الآيات .
وقال بعض العلماء : يكاد البرق يخطف أبصارهم أي : يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين .