بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
سورة البقرة
قوله تعالى :
هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
[ 2 ] .
صرّح في هذه الآية بأن هذا القرآن هدى للمتقين ، ويفهم من مفهوم الآية - أعني مفهوم المخالفة المعروف بدليل الخطاب - أن غير المتقين ليس هذا القرآن هدى لهم ، وصرح بهذا المفهوم في آيات أخر كقوله :
قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى
[ فصلت : 44 ] وقوله :
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً
[ الإسراء : 82 ] وقوله :
وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( 124 ) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ
[ التوبة :
124 - 125 ] وقوله تعالى :
وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً
[ المائدة :
64 ] الآيتين .
ومعلوم أن المراد بالهدى في هذه الآية الهدى الخاص الذي هو التفضل بالتوفيق إلى دين الحق ، لا الهدى العام ، الذي هو إيضاح الحق .
قوله تعالى :
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
[ 3 ] .
عبّر في هذه الآية الكريمة ب « من » التبعيضية الدالة على أنه ينفق لوجه اللّه بعض ماله لا كله . ولم يبين هنا القدر الذي ينبغي إنفاقه ، والذي ينبغي إمساكه . ولكنه بين في مواضع أخر أن القدر الذي ينبغي إنفاقه هو الزائد على الحاجة وسد الخلة التي لا بد منها ، وذلك كقوله :
وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ
[ البقرة : 219 ] ، والمراد بالعفو : الزائد على قدر الحاجة التي لا بد منها على أصح التفسيرات ، وهو مذهب الجمهور .
ومنه قوله تعالى :
حَتَّى عَفَوْا
[ الأعراف : 95 ] أي كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم .
وقال بعض العلماء : العفو : نقيض الجهد ، وهو أن ينفق ما لا يبلغ إنفاقه منه الجهد واستفراغ الوسع . ومنه قول الشاعر :
خذي العفو منّي تستديمي مودّتي * ولا تنطقي في سورتي حين أغضب
وهذا القول راجح إلى ما ذكرنا ، وبقية الأقوال ضعيفة .