5 ] ، فذكر الاستواء باسمه الرحمن ليعم جميع خلقه برحمته . قاله ابن كثير ومثله قوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ
[ الملك : 19 ] أي : ومن رحمانيته : لطفه بالطير ، وإمساكه إياها صافات وقابضات في جو السماء . ومن أظهر الأدلة في ذلك قوله تعالى
الرَّحْمنُ ( 1 ) عَلَّمَ الْقُرْآنَ
( 2 ) [ الرحمن : 1 - 2 ] إلى قوله :
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
[ الرحمن : 13 ] وقال :
وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً
[ الأحزاب :
43 ] فخصهم باسمه الرحيم . فإن قيل : كيف يمكن الجمع بين ما قررتم ، وبين ما جاء في الدعاء المأثور من قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « رحمان الدّنيا والآخرة ورحيمهما » . فالظاهر في الجواب - واللّه أعلم - أن الرحيم خاص بالمؤمنين كما ذكرنا ، لكنه لا يختص بهم في الآخرة ، بل يشمل رحمتهم في الدنيا أيضا ، فيكون معنى رحيمهما رحمته بالمؤمنين فيهما .
والدليل على أنه رحيم بالمؤمنين في الدنيا أيضا أن ذلك هو ظاهر قوله تعالى
هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً
( 43 ) [ الأحزاب : 43 ] ، لأن صلاته عليهم وصلاة ملائكته وإخراجه إياهم من الظلمات إلى النور رحمة بهم في الدنيا ، وإن كانت سبب الرحمة في الآخرة أيضا . وكذلك قوله تعالى :
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
( 117 ) [ التوبة :
117 ] ، فإنه جاء فيه بالباء المتعلقة بالرحيم الجارة للضمير الواقع على النبي صلّى اللّه عليه وسلم والمهاجرين والأنصار ، وتوبته عليهم رحمة في الدنيا وإن كانت سبب رحمة الآخرة أيضا .
والعلم عند اللّه تعالى .
وقوله تعالى :
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
( 4 ) [ 4 ] .
لم يبينه هنا - وبينه في قوله :
وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ( 17 ) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ( 18 ) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً
[ الانفطار : 17 - 19 ] الآية .
والمراد بالدين في الآية الجزاء . ومنه قوله تعالى :
يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ
أي جزاء أعمالهم بالعدل .
قوله تعالى :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
[ 5 ] .
أشار في هذه الآية الكريمة إلى تحقيق معنى لا إله إلا اللّه : لأن معناها مركب من أمرين : نفي وإثبات . فالنفي : خلع جميع المعبودات غير اللّه تعالى في جميع أنواع العبادات ، والإثبات : إفراد رب السماوات والأرض وحده بجميع أنواع العبادات على الوجه المشروع . وقد أشار إلى النفي من لا إله إلا اللّه بتقديم المعمول الذي هو
إِيَّاكَ
. وقد تقرر