إنسان ، فهو على الإباحة الأصلية ، وليس فيه تشريع جديد ، ولكن صورة الفعل ، وكيفيته ككون الأكل والشراب باليمين إلخ ، وكونه من أمام الآكل ، فهذا هو موضع التأسي به صلى اللّه عليه وسلم وكذلك نوع المأكول أو تركه ما لم يكن لمانع كعدم أكله صلى اللّه عليه وسلم للضب والبقول المطبوخة ، وقد بين السبب في ذلك ، فالأول : لأنه ليس في أرض قومه فكان يعافه ، والثاني لأنه يناجي من لا نناجي ، وقد قال صاحب المراقي :
وفعله المركوز في الجبلة * كالأكل والشرب فليس مله
* من غير لمح الوصف . . . *
ثانيا : ما كان مترددا بين الجبلة والتشريع كوقوفه صلى اللّه عليه وسلم بعرفة راكبا على ناقته ، ونزوله بالمحصب منصرفه من منى . فالوقوف الذي هو ركن الحج يتم بالتواجد في الموقف بعرفة على أية حالة ، فهل كان وقوفه صلى اللّه عليه وسلم راكبا من تمام نسكه . أم أنه صلى اللّه عليه وسلم فعله دون قصد إلى النسك ؟ خلاف بين الأصوليين . ولا يبعد من يقول : قد يكون فعله صلى اللّه عليه وسلم هذا ليكون أبرز لشخصه في مثل هذا الجمع ، تسهيلا على من أراده لسؤال أو رؤية أو حاجة . فيكون تشريعا لمن يكون في منزلته في المسؤولية .
ثالثا : ما ثبتت خصوصيته به مثل جواز جمعه بين أكثر من أربع نسوة بالنكاح لقوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ
[ الأحزاب : 50 ] ، وكن أكثر من أربع ، ونكاح الواهبة نفسها لقوله تعالى :
خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
[ الأحزاب : 50 ] فهذا لا شركة لأحد معه فيه .
رابعا : ما كان بيانا لنص قرآني ، كقطعه صلى اللّه عليه وسلم يد السارق من الكوع بيانا لقوله تعالى
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما
[ المائدة : 38 ] . وكأعمال الحج والصلاة ، فهما بيان لقوله تعالى
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
[ البقرة : 43 ] ، وقوله :
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا
[ آل عمران : 97 ] ، ولذا قال صلى اللّه عليه وسلم : « صلوا كما رأيتموني أصلي » ، وقال : « خذوا عني مناسككم » ، فهذا القسم حكمه للأمة ، حكم المبين بالفتح ، ففي الوجوب واجب ، وفي غيره بحسبه .
خامسا : ما فعله صلى اللّه عليه وسلم لا لجبلة ولا لبيان ، ولم تثبت خصوصيته له ، فهذا على قسمين : أحدهما أن يعلم حكمه بالنسبة إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم من وجوب أو ندب أو إباحة ، فيكون حكمه للأمة كذلك ، كصلاته صلى اللّه عليه وسلم في الكعبة ، وقد علمنا أنها في حقه صلى اللّه عليه وسلم جائزة ، فهي للأمة على الجواز .