فالطغمة القليلة الحاكمة ومن ينضم إليها هم المتمتعون بجميع خيرات البلاد وغيرهم من عامة الشعب محرومون من كل خير ، مظلومون في كل شيء ، حتى ما كسبوه بأيديهم ، يعلفون ببطاقة كما تعلف البغال والحمير .
وقد علم اللّه - جل وعلا في سابق علمه - أنه يأتي ناس يغتصبون أموال الناس بدعوى أن هذا فقير ، وهذا غني ، وقد نهى جل وعلا عن اتباع الهوى بتلك الدعوى ، وأوعد من لم ينته عن ذلك بقوله تعالى :
إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً
[ النساء : 135 ] وفي قوله :
فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً
وعيد شديد لمن فعل ذلك . انتهى حرفيا .
والحق أن الأرزاق قسمة الخلاق ، فهو أرأف بالعباد من أنفسهم ، وليس في خزائنه من نقص ولكنها الحكمة لمصلحة عباده ، وفي الحديث القدسي : « إن من عبادي لمن يصلح له الفقر ، ولو أغنيته لفسد حاله ، وإن من عبادي لمن يصلح له الغنى ولو أفقرته لفسد حاله » فهو سبحانه يعطي بقدر ، ولا يمسك عن قتر .
ويكفي في هذا المقام سياق الآية الكريمة التي تكلم الشيخ رحمة اللّه تعالى عليه في أسلوبها في قوله تعالى :
نَحْنُ قَسَمْنا
[ الزخرف : 32 ] وهذا الضمير معلوم أنه للتعظيم والتفخيم ، ومثله الضمير في قسمنا ، فلا مجال لتدخل المخلوق ، ولامكان لغير اللّه تعالى في ذلك . والقسمة إذا كانت من اللّه تعالى ، فلا تقوى قوة في الأرض على إبطالها ، ثم إن واقع الحياة يؤيد ذلك بل ويتوقف عليه ، كما قال تعالى
وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا
[ الزخرف : 32 ] .
وهؤلاء المعتدون على أموال الناس يعترفون بذلك ، ويقرون نظام الطبقات عمال وغير عمال . إلخ ، فلا دليل في آية سورة الحشر هنا
كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ
[ الحشر : 7 ] ولا حق لهم فيما فعلوا في أموال الناس بهذا المبدأ الباطل . واللّه تعالى أعلم .
قوله تعالى :
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
[ 7 ] .
قال الشيخ رحمه اللّه تعالى في المقدمة : إن السنة كلها مندرجة تحت هذه الآية الكريمة ، أي أنها ملزمة للمسلمين العمل بالسنة النبوية ، فيكون الأخذ بالسنة أخذا