وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
[ يونس : 91 ] .
وجاء أصرح ما يكون في قوله :
يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً
[ الأنعام : 158 ] .
فلما جاء بعض آيات اللّه وظهر الحق ، لم يكن للإيمان محل بعد المعاينة
لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها
أي من قبل المعاينة كحالة فرعون المذكورة ، لأن حقيقة الإيمان التصديق بالمغيبات ، فإذا عاينها لم تكن حينذاك غيبا ، فيفوت وقت الإيمان والعلم عند اللّه ، وعليه حديث التوبة : ما لم يغرغر .
قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ
[ 12 ] .
والخشية : شدة الخوف ، كما قال تعالى :
الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ
[ الأنبياء : 49 ] .
وبين تعالى محل تلك الخشية في قوله :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[ فاطر :
28 ] لأنهم يعرفون حق اللّه تعالى ويراقبونه .
وقد بين تعالى حقيقة خشية اللّه :
وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
[ البقرة : 74 ] .
وقوله :
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
[ الحشر :
21 ] .
فالذين يخشون ربهم بالغيب هم الذين يعرفون حق اللّه عليهم ومراقبته إياهم في السر والعلن ، ويعلمون أنه مطلع عليهم مهما تخسفوا وتستروا وهم دائما منيبون إلى اللّه ، كما في قوله :
هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ( 32 ) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ
[ ق : 32 - 33 ] ، وهذه أعلى درجات السلوك مع اللّه تعالى ، كما بين أنها منزلة العلماء .
وقد عاب تعالى أولئك الذين يستخفون من الناس ولا يستخفون من اللّه ، ويخشون الناس ولا يخشون اللّه ، فاللّه أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين .
وإفراد اللّه بالخشية منزلة الأنبياء ، كما في قوله :
الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ