الذلول فعول بمعنى مفعول ، وهو مبالغة في الذل .
تقول : دابة ذلول بينة الذل ، وقيل في معنى تذليل الأرض عدة أقوال لا تنافي بينها ، ومجموعها دائر على تمكين الانتفاع منها عن تسهيل الاستقرار عليها وتثبيتها بالجبال ، كقوله تعالى :
وَالْجِبالَ أَرْساها ( 32 ) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ
[ النازعات : 32 - 33 ] .
ومن إمكان الزرع فيها كقوله :
فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا ( 27 ) وَعِنَباً وَقَضْباً
إلى قوله أيضا
مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ
[ عبس : 27 - 32 ] ، وقد جمع أكثرها في قوله : تعالى :
أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً ( 25 ) أَحْياءً وَأَمْواتاً ( 26 ) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً
[ المرسلات : 25 - 27 ] .
وكنت أسمع الشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه يقول في هذه الآية : إنها من تسخير اللّه تعالى للأرض أن جعلها كفاتا للإنسان في حياته بتسهيل معيشته منها وحياته على ظهرها ، فإذا مات كانت له أيضا كفاتا بدفنه فيها .
ويقول : لو شاء لجعلها حديدا ونحاسا فلا يستطيع الإنسان أن يحرث فيها ولا يحفر ولا يبني ، وإذا مات لا يجد مدفنا فيها .
ومما يشير إلى هذه المعاني كلها قوله تعالى :
فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ
لترتبه على ما قبله بالفاء ، أي بسبب تذليلها بتيسير المشي في أرجائها ، وطلب الرزق في أنحائها بالتسبب فيها من زراعة وصناعة وتجارة إلخ .
والأمر في قوله تعالى :
فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ
للإباحة . ولكن التقديم لهذا الأمر بقوله تعالى :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا
فيه امتنان من اللّه تعالى على خلقه مما يشعر أن في هذا الأمر مع الإباحة توجيها وحثا للأمة على السعي والعمل والجد ، والمشي في مناكب الأرض من كل جانب لتسخيرها وتذليلها ، مما يجعل الأمة أحق بها من غيرها .
كما قال تعالى :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ
[ الحج : 65 ] .
وفي قوله :
وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ
[ الجاثية : 13 ] وغير ذلك من الآيات .
ومن رأى هذا التسخير اعترف للّه بالفضل والقيام للّه بالحمد ، وتقديم الشكر كما