تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
فأطلق الشراء على الاستبدال . تنبيه في هذه الآية الكريمة تقديم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس في قوله تعالى :
وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ
[ الصف : 11 ] . وفي آية إن اللّه اشترى من المؤمنين ، قدم النفس عن المال فقال
اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ
[ التوبة : 111 ] ، وفي ذلك سر لطيف . أما في آية الصف ، فإن المقام مقام تفسير وبيان لمعنى التجارة الرابحة بالجهاد في سبيل اللّه . وحقيقة الجهاد بذل الجهد والطاقة ، والمال هو عصب الحرب وهو مدد الجيش . وهو أهم من الجهاد بالسلاح ، فبالمال يشترى السلاح ، وقد تستأجر الرجال كما في الجيوش الحديثة من الفرق الأجنبية ، وبالمال يجهز الجيش ، ولذا لما جاء الإذن بالجهاد أعذر اللّه المرضى والضعفاء ، وأعذر معهم الفقراء الذين لا يستطيعون تجهيز أنفسهم ، وأعذر معهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم إذ لم يوجد عنده ما يجهزهم به كما في قوله تعالى :
لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى
إلى قوله :
وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ
[ التوبة : 91 - 92 ] . وكذلك من جانب آخر ، قد يجاهد بالمال من لا يستطيع بالسلاح كالنساء والضعفاء ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « من جهز غازيا فقد غزا » « 1 » . أما الآية الثانية ، فهي في معرض الاستبدال والعرض والطلب أو ما يسمى بالمساومة ، فقدم النفس لأنها أعز ما يملك الحي ، وجعل في مقابلها الجنة وهي أعز ما يوهب ، وأحسن ما قيل في ذلك .
أثامن بالنفس النفيسة ربها * وليس لها في الخلق كلهم ثمن
بها تملك الأخرى فإن أنا بعتها * بشيء من الدنيا فذاك هو الغبن
هامش
( 1 ) أخرجه عن زيد بن خالد : البخاري في الجهاد والسير حديث 2843 ، ومسلم في الإمارة حديث 135 و 136 ، وأبو داود في الجهاد حديث 2509 ، والترمذي في فضائل الجهاد حديث 1631 .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 121 | الشنقيطي