نفسه منزلة الغالب ، القاهر ، وإن كان الأمر ليس كذلك ، لأن أصل العزة في لغة العرب الغلبة والقهر ، ومنه قوله تعالى :
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
[ المنافقون : 8 ] الآية ، والعرب يقولون : من عزّ بزّ ، يعنون من غلب استلب ، ومنه قول الخنساء :
كأن لم يكونوا حمى يحتشى * إذ الناس إذ ذاك من عز بزا
وقوله تعالى عن الخصم الذين تسوروا على داود : وعزني في الخطاب أي غلبني ، وقهرني في الخصومة .
والدليل من القرآن على أن العزة التي أثبتها اللّه للكفار في قوله :
بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ
[ ص : 2 ] الآية . وقوله :
أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ
[ البقرة : 206 ] الآية ، ليست هي العزة التي يراد بها القهر والغلبة بالفعل ، أن اللّه خص بهذه العزة المؤمنين دون الكافرين والمنافقين ، وذلك في قوله تعالى :
يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
[ المنافقون : 8 ] .
ولذلك فسرها علماء التفسير ، بأنها هي الحمية والاستكبار ، عن قبول الحق .
والشقاق : هي المخالفة ، والمعاندة كما قال تعالى :
وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ
[ البقرة : 137 ] الآية . قال بعض العلماء : وأصله من الشق الذي هو الجانب ، لأن المخالف المعاند ، يكون في الشق أي في الجانب الذي ليس فيه من هو مخالف له ومعاند .
وقال بعض أهل العلم : أصل الشقاق من المشقة لأن المخالف المعاند يجتهد في إيصال المشقة إلى من هو مخالف معاند .
وقال بعضهم : أهل الشقاق من شق العصا وهو الخلاف والتفرق .
قوله تعالى :
كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ ( 3 )
[ 3 ] .
كم هنا هي الخبرية ، ومعناها الإخبار عن عدد كثير ، وهي في محل نصب ، على أنها مفعول به لأهلكنا وصيغة الجمع في أهلكنا للتعظيم ، ومن في قوله : من قرن ، مميزة لكم ، والقرن يطلق على الأمة وعلى بعض من الزمن ، أشهر الأقوال فيه أنه مائة سنة ، والمعنى أهلكنا كثيرا من الأمم السالفة من أجل الكفر ، وتكذيب الرسل فعليكم أن تحذروا يا كفار مكة من تكذيب نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم الكفر بما جاء به لئلا نهلككم بسبب ذلك كما أهلكنا به القرون الكثيرة الماضية .
وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة ثلاث مسائل :
الأولى : أنه أهلك كثيرا من القرون الماضية ، يهدد كفار مكة بذلك .
الثانية : أنهم نادوا أي عند معاينة أوائل الهلاك .