أن في المسألة ثلاثة مذاهب : المنع ، والإباحة ، والوقف .
قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : الذي يظهر لي صوابه في هذه المسألة هو التفصيل ، لأن الأعيان التي خلقها اللّه في الأرض للناس بها ثلاث حالات :
الأولى : أن يكون فيها نفع لا يشوبه ضرر كأنواع الفواكه وغيرها .
الثانية : أن يكون فيها ضرر لا يشوبه نفع كأكل الأعشاب السامة القاتلة .
الثالثة : أن يكون فيها نفع من جهة وضرر من جهة أخرى ، فإن كان فيها نفع لا يشوبه ضرر ، فالتحقيق حملها على الإباحة حتى يقوم دليل على خلاف ذلك لعموم قوله :
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
[ البقرة : 29 ] . وقوله
وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ
( 10 ) [ الرحمن : 10 ] الآية .
وإن كان فيها ضرر لا يشوبه نفع فهي على التحريم لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا ضرر ولا ضرار » .
وإن كان فيها نفع من جهة وضرر من جهة أخرى فلها ثلاث حالات :
الأولى : أن يكون النفع أرجح من الضرر .
والثانية : عكس هذا .
والثالثة : أن يتساوى الأمران .
فإن كان الضرر أرجح من النفع أو مساويا له فالمنع لحديث « لا ضرر ولا ضرار » ولأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ، وإن كان النفع أرجح ، فالأظهر الجواز ، لأن المقرر في الأصول أن المصلحة الراجحة تقدم على المفسدة المرجوحة ، كما أشار له في مراقي السعود بقوله :
* وألغ إن يك الفساد أبعدا * * أو رجح الإصلاح كالأسارا
تفدى بما ينفع للنصارا * وانظر تدلي دولي العنب
في كل مشرق وكل مغرب
ومراده : تقديم المصلحة الراجحة على المفسدة المرجوحة ، أو البعيدة ممثلا له بمثالين :
الأول منهما : أن تخليص أسارى المسلمين من أيدي العدو بالفداء مصلحة راجحة قدمت على المفسدة المرجوحة ، التي هي انتفاع العدو بالمال المدفوع لهم فداء للأسارى .
الثاني : أن انتفاع الناس بالعنب والزبيب ، مصلحة راجحة على مفسدة عصر الخمر من العنب ، فلم يقل أحد بإزالة العنب من الدنيا لدفع ضرر عصر الخمر منه ، لأن الانتفاع بالعنب والزبيب مصلحة راجحة على تلك المفسدة ، وهذا التفصيل الذي اخترنا ، قد أشار له