فقوله تعالى :
حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا :
أي حتى إذا حملت الرياح سحابا ثقالا ، فالإقلال الحمل ، وهو مسند إلى الريح . ودلالة هذا على أن الحاملات وقرا هي الرياح ظاهرة كما ترى ، ويصح شمول الآية لجميع ذلك .
وقد قدمنا مرارا أنه هو الأجود في مثل ذلك ، وبينا كلام أهل الأصول فيه ، وكلامهم في حمل المشترك على معنييه أو معانيه ، في أول سورة النور وغيرها .
والقول بأن الحاملات وقرا : هي حوامل الأجنة من الإناث ، ظاهر السقوط ، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
فَالْجارِياتِ يُسْراً
( 3 ) [ الذاريات : 3 ] أكثر أهل العلم على أن المراد بالجاريات يسرا : السفن تجري في البحر يسرا أي جريا ذا يسر أي سهولة .
والأظهر أن هذا المصدر المنكر حال كما قدمنا نحوه مرارا : أي فالجاريات في حال كونها ميسرة مسخرا لها البحر ، ويدل لهذا القول كثرة إطلاق الوصف بالجري على السفن كقوله تعالى :
وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ
[ الشورى : 32 ] الآية ، وقوله :
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ
( 11 ) [ الحاقة : 11 ] ، وقوله تعالى :
وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ
[ الحج :
65 ] وقوله تعالى :
اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ
[ الجاثية : 12 ] إلى غير ذلك من الآيات .
وقيل الجاريات الرياح . وقيل غير ذلك .
وقوله تعالى :
فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً
( 4 ) [ 4 ] : هي الملائكة يرسلها اللّه في شؤون وأمور مختلفة ، ولذا عبر عنها بالمقسمات ، ويدل لهذا قوله تعالى :
فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً
( 5 ) [ النازعات : 5 ] ، فمنهم من يرسل لتسخير المطر والريح ، ومنهم من يرسل لكتابة الأعمال ، ومنهم من يرسل لقبض الأرواح ، ومنهم من يرسل لإهلاك الأمم ، كما وقع لقوم صالح .
والتحقيق أن قوله : أمرا مفعول به للوصف الذي هو المقسمات ، وهو مفرد أريد به الجمع .
وقد أوضحنا أمثلة ذلك في القرآن العظيم ، وفي كلام العرب مع تنكير المفرد كما هنا ، وتعريفه وإضافته في أول سورة الحج في الكلام على قوله تعالى :
ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا
[ الحج : 5 ] ، والمقسم عليه بهذه الأقسام هو قوله :
إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ ( 5 ) وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ
( 6 ) [ الذاريات : 5 - 6 ] ، والموجب لهذا التوكيد هو شدة إنكار الكفار للبعث والجزاء .
وقوله :
إِنَّما تُوعَدُونَ
ما ، فيه موصولة والعائد إلى الصلة محذوف ، والوصف بمعنى المصدر أي إن الذي توعدونه من الجزاء والحساب لصدق لا كذب فيه .
وقال بعض العلماء : ما ، مصدرية ، أي إن الوعد بالبعث والجزاء والحساب لصادق .