ذلك ، كما كان عليه أول هذه الأمة ، من القرون المشهود لها بالخير .
التنبيه الخامس
اعلم أنه لا يخفى علينا أن المقلدين التقليد الأعمى المذكور ، يقولون :
هذا الذي تدعوننا إليه وتأمروننا به من العمل بالكتاب والسنة ، وتقديمهما على آراء الرجال من التكليف بما لا يطاق .
لأنا لا قدرة لنا على معرفة الكتاب والسنة حتى نعمل بهما .
ولا يمكننا معرفة شيء من الشرع إلا عن طريق الإمام الذي نقلده .
لأنا لم نتعلم نحن ولا آباؤنا شيئا غير ذلك .
فإذا لم نقلد إمامنا بقينا في حيرة لا نعلم شيئا من أحكام عباداتنا ولا معاملاتنا ، وتعطلت بيننا الأحكام إذ لا نعرف قضاء ولا فتوى ولا غير ذلك من الأحكام إلا عن طريق مذهب إمامنا .
لأن أحكامه مدونة عندنا وهي التي نتعلمها ونتدارسها دون غيرها من الكتاب أو السنة وأقوال الصحابة ومذاهب الأئمة الآخرين .
ونحن نقول :
واللّه لقد ضيقتم واسعا . وادعيتم العجز ، وعدم القدرة في أمر سهل .
ولا شك أن الأحوال الراهنة للمقلدين الأعمى ، للمذاهب المدونة تقتضي صعوبة شديدة جدا في طريق التحول من التقليد الأعمى إلى الاستضاءة بنور الوحي .
وذلك إنما نشأ من شدة التفريط في تعلم الكتاب والسنة والإعراض عنهما إعراضا كليا يتوارثه الأبناء عن الآباء ، والآباء عن الأجداد .
فالداء المستحكم من مئات السنين لا بد لعلاجه من زمن طويل .
ونحن لا نقول : إن الجاهل بالكتاب والسنة يعمل بهما باجتهاده .
بل نعوذ باللّه من أن نقول ذلك .
ولكنا نقول : إن الكتاب والسنة يجب تعلمهما ، ولا يجوز الإعراض عنهما وأن كل ما علمه المكلف منهما علما صحيحا ناشئا عن تعلم صحيح وجب عليه العمل به .
فالبلية العظمى إنما نشأت من توارث الإعراض عنهما إعراضا كليا اكتفاء عنهما بغيرهما .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 364
مساهمون: الشنقيطي
ص٣٦٤