في شيء من مسائل الاجتهاد والرأي : هذا حلال أو حرام .
فما ظنك بغيرهم من المقلدين الذين لم يستضيئوا بشيء من نور الوحي ؟
فتجرؤهم على التحريم والتحليل بلا مستند من الكتاب إنما نشأ لهم من الجهل بكتاب اللّه وسنة رسوله ، وآثار السلف الصالح .
وآية يونس المتقدمة صريحة فيما ذكرنا صراحة تغني عن كل ما سواها .
لأنه تعالى لما قال :
فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا
أتبع ذلك بقوله
قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ
( 59 ) [ يونس : 59 ] .
ولم يجعل واسطة بين إذنه في ذلك وبين الافتراء عليه .
فمن كان عنده إذن من اللّه بتحريم هذا أو تحليا فليعتمد على إذن اللّه في ذلك .
ومن لم يكن عنده إذن من اللّه في ذلك فليحذر من الافتراء على اللّه .
إذ لا واسطة بين الأمرين .
ومعلوم أن العبرة بعموم لفظ الآية لا بخصوص سببها .
فالذين يقولون من الجهلة المقلدين : هذا حلال وهذا حرام ، وهذا حكم اللّه ، ظنا منهم أن أقوال الإمام الذي قلدوه تقوم مقام الكتاب والسنة وتغني عنهما .
وإن ترك الكتاب والسنة والاكتفاء بأقوال من قلدوه أسلم لدينه أعمتهم ظلمات الجهل المتراكمة عن الحقائق حتى صاروا يقولون هذا .
فهم كما ترى ، مع أن الإمام الذي قلدوه ، ما كان يتجرأ على مثل الذي تجرؤوا عليه ، لأن علمه يمنعه من ذلك .
واللّه جل وعلا يقول :
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ
( 9 ) [ الزمر : 9 ] .
التنبيه الرابع
اعلم أن مما لا بد منه معرفة ، الفرق بين الاتباع والتقليد ، وأن محل الاتباع لا يجوز التقليد فيه بحال .
وإيضاح ذلك : أن كل حكم ظهر دليله من كتاب اللّه ، أو سنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، أو إجماع المسلمين ، لا يجوز فيه التقليد بحال .
لأن كل اجتهاد يخالف النص ، فهو اجتهاد باطل ، ولا تقليد إلا في محل الاجتهاد .