ولذلك يجب تقديم ذلك الأرجح الذي تخيلوه شيء من الوحي الموجود بين أيديهم .
وهذا الظن كذب باطل بلا شك .
والأئمة كلهم معترفون بأنهم ما أحاطوا بجميع نصوص الوحي ، كما سيأتي إيضاحه إن شاء اللّه .
ومن أصرح ذلك أن الإمام مالكا رحمه اللّه ، إمام دار الهجرة المجمع على علمه وفضله وجلالته ، لما أراد أبو جعفر المنصور أن يحمل الناس على العمل بما جمعه في موطئه لم يقبل ذلك من أبي جعفر ورده عليه .
وأخبره أن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تفرقوا في أقطار الدنيا ، كلهم عنده علم ليس عند الآخر .
ولم يجمع الحديث جمعا تاما بحيث أمكن جمع جميع السنة إلا بعد الأئمة الأربعة .
لأن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الذين تفرقوا في أقطار الدنيا روي عنهم كثير من الأحاديث لم يكن عند غيرهم ، ولم يتيسر الاطلاع عليه إلا بعد أزمان .
وكثرة علم العالم لا تستلزم اطلاعه على جميع النصوص .
فهذا عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه وهو عجز عن أن يفهم معنى الكلالة حتى مات رضي اللّه عنه .
وقد سأل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عنها كثيرا فبينها له ولم يفهم .
فقد ثبت عنه رضي اللّه عنه أنه قال : ما سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة ، حتى طعن بإصبعه في صدري ، وقال لي « يكفيك آية الصيف في آخر سورة النساء » .
فهذا من أوضح البيان ، لأن مراد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بآية الصيف
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ
[ النساء : 176 ] والآية تبين معنى الكلالة بيانا شافيا ، لأنها أوضحت أنها : ما دون الولد والوالد .
فبينت نفي الولد بدلاله المطابقة في قوله تعالى :
إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ
[ النساء :
176 ] وبينت نفي الوالد بدلالة الالتزام في قوله تعالى
وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ
[ النساء : 176 ] ، لأن ميراث الأخت يستلزم نفي الولد .
ومع هذا البيان النبوي الواضح لهذه الآية الكريمة ، فإن عمر رضي اللّه عنه لم يفهم .
وقد صح عنه أن الكلالة لم تزل مشكلة عليه .