ومما يدل على ذلك ، ما صح عنه صلّى اللّه عليه وسلّم من حديث عائشة رضي اللّه عنها قالت « إن قوما قالوا يا رسول اللّه : إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم اللّه عليه أم لا ؟ فقال : سموا عليه أنتم وكلوا ، قال : وكانوا حديثي عهد بالكفر » قال المجد في المنتقى بعد أن ساق الحديث : رواه البخاري « 1 » والنسائي « 2 » وابن ماجة « 3 » ، وهو دليل على أن التصرفات والأفعال تحمل على حال الصحة والسلامة إلى أن يقوم دليل الفساد . ا ه منه .
وقد أجمع العلماء على هذا ، فالعمل به عمل بالدليل الشرعي .
لأن اللّه لو كلف الناس ألا يشتري أحد منهم شيئا حتى يعلم حليته فوقعوا في حرج عظيم تتعطل به المعيشة ويختل به نظامها .
فأجاز اللّه تعالى ذلك برفع الحرج كما قال تعالى
وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
[ الحج : 78 ] فالاستدلال به على التقليد الأعمى فاسد ، لأنه أخذ بالحجة والدليل ، وليس من التقليد .
وأما استدلالهم على التقليد بأن اللّه لو كلف الناس كلهم الاجتهاد ، وأن يكونوا علماء ضاعت مصالح العباد ، وتعطلت الصنائع والمتاجر ، وهذا مما لا سبيل إليه شرعا وقدرا .
فهو ظاهر السقوط أيضا .
ومن أوضح الأدلة على سقوطه أن القرون الثلاثة المشهود لهم بالخير ، لم يكن فيهم تقليد رجل واحد بعينه هذا التقليد الأعمى .
ولم تتعطل متاجرهم ولا صنائعهم ، ولم يرتكبوا ما يمنعه الشرع ولا القدر .
بل كانوا كلهم لا يقدمون شيئا على كتاب اللّه وسنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلم .
وكان فيهم علماء مجتهدون يعلمون بالكتاب والسنة ويفتون بهما .
وكان فيهم قوم دون رتبتهم في العلم ، يتعلمون من كتاب اللّه وسنة رسوله ما يحتاجون للعمل به في أنفسهم ، وهم متبعون لا مقلدون .
وفيهم طائفة أخرى ، هي العوام لا قدرة لها على التعلم .
وكانوا يستفتون فيما نزل من النوازل من شاءوا من العلماء وتارة يسألونه عن الدليل فيما أفتاهم به .
وتارة يكتفون بفتواه ولا يسألون ولم يتقيدوا بنفس ذلك العالم الذي استفتوه .
هامش
( 1 ) كتاب البيوع حديث 2057 ، والذبائح والصيد حديث 5507 .
( 2 ) كتاب الضحايا ، باب ذبيحة من لم يعرف .
( 3 ) كتاب الذبائح حديث 3174 .