فما ظنك بغيرهم من الأئمة الذين نشأوا وتعلموا بعد تفرق الصحابة في أقطار الدنيا ؟
وروي عنه الأحاديث عدول من الأقطار التي ذهبوا إليها ؟
والحاصل أن ظن إحاطة الإمام بجميع نصوص الشرع ومعانيها ظن لا يغني من الحق شيئا ، وليس بصحيح قطعا .
لأنه لا شك أنه يفوته بعض الأحاديث فلم يطلع عليها ويرويه بعض العدول عن الصحابة فيثبت عند غيره .
وهو معذور في ترك العمل به ، بعدم اطلاعه عليه مع أنه بذل المجهود في البحث .
ولذا كان له أجر الاجتهاد والعذر في الخطأ .
وقد يكون الإمام اطلع على الحديث ، ولكن السند الذي بلغه به ضعيف فيتركه لضعف السند .
ويكون غيره اطلع على رواية أخرى صحيحة يثبت بها الحديث فهو معذور في تركه ، لأنه لم يطلع إلا على السند الضعيف ولم تبلغه الطريق الصحيحة الأخرى .
وقد يترك الحديث لشيء يظنه أرجح منه ، ويكون الواقع أن الحديث أرجح من ذلك الشيء الذي ظنه لقيام أدلة أخرى على ذلك لم يطلع عليها . إلى أسباب أخر كثيرة ، كترك الأئمة للعمل ببعض النصوص .
وبهذا كله تعلم أن ظن اطلاع الإمام على كل شيء من أحكام الشرع وإصابته في معانيها كلها ظن باطل .
وكل واحد من الأئمة يصرح ببطلان هذا الظن كما سترى إيضاحه إن شاء اللّه .
فاللازم هو ما قاله الأئمة أنفسهم رحمهم اللّه من أنهم قد يخطئون ونهوا عن اتباعهم في كل شيء يخالف نصا من كتاب أو سنة .
فالمتبع لهم حقيقة ، هو من لا يقدم على كتاب اللّه وسنة رسوله شيئا .
أما الذي يقدم أقوال الرجال على الكتاب وصحيح السنة ، فهو مخالف لهم لا متبع لهم .
ودعواه اتباعهم كذب محض .
وأما القضية الثانية :
فهي ظن المقلدين أن لهم مثل ما للإمام من العذر في الخطأ .
وإيضاحه : أنهم يظنون أن الإمام لو أخطأ في بعض الأحكام وقلدوه في ذلك الخطأ
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 354
مساهمون: الشنقيطي
ص٣٥٤