فالعمل به من العمل بالدليل الشرعي لا من التقليد الأعمى .
وذلك كله من قبيل الشهادة ، والإخبار بما عرفه القائف والخارص إلى آخره ، لا من قبيل الفتوى في الدين .
وقد استدل العلماء على قبول قول القائف بسرور النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من قول مجزز بن الأعور المدلجي في أسامة وزيد « هذه الأقدام بعضها من بعض » « 1 » .
فلو كان قول القائف : لا يقبل لما أقره النبي صلّى اللّه عليه وسلم .
ولما برقت أسارير وجهه سرورا به .
فقبوله لذلك ، فهو اتباع لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم .
وقد قدمنا الأحاديث النبوية الدالة على قبول قول الخارص ، وبينا أن بعضها ثابت في الصحيح . ورد قول من منع ذلك في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى :
وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ
[ الأنعام : 141 ] .
فهذا مثال ما ثبت بالسنة من قبول قول المذكورين .
ومثال ما دل عليه القرآن من ذلك قبول قول الحكمين في المثل في جزاء الصيد ، لأن اللّه نص عليه في قوله تعالى
فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ
[ المائدة : 95 ] الآية .
وهكذا كل من ذكروا ، فإن قبول قولهم : إنما صح بدليل شرعي يدل على قبوله من كتاب أو سنة أو إجماع .
مع أن الإخبار عن جميع ما ذكر إخبار عن محسوس ، والتقليد الذي استدلوا به عليه إخبار عن معقول مظنون .
والفرق بين الأمرين قدمناه قريبا ، فليس شيء من ذلك تقليدا أعمى بدون حجة .
وأما استدلالهم على التقليد المذكور بجواز شراء اللحوم والثياب والأطعمة وغيرها من غير سؤال عن أسباب حلها اكتفاء بتقليد أربابها .
فهو ظاهر السقوط أيضا .
لأن الاكتفاء بقول الذابح والبائع ليس بتقليد أعمى في حكم ديني لهما .
وإنما هو عمل بالأدلة الشرعية ، لأنها دلت على أن ما في أسواق المسلمين من اللحوم والسلع محمول على الجواز والصحة ، حتى يظهر ما يخالف ذلك .
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .