تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
قوله تعالى :
قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ
[ 9 ] . الأظهر في قوله
بِدْعاً
أنه فعل بمعنى المفعول فهو بمعنى مبتدع ، والمبتدع هو الذي أبدع على غير مثال سابق . ومعنى الآية قل لهم يا نبي اللّه : ما كنت أول رسول أرسل إلي البشر ، بل قد أرسل اللّه قبلي جميع الرسل إلى البشر ، فلا وجه لاستبعادكم رسالتي ، واستنكاركم إياها ، لأن اللّه أرسل قبلي رسلا كثيرة . وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة ، جاء موضحا في آيات كثيرة ، كقوله تعالى :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً
[ الرعد : 38 ] وقوله تعالى :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ
[ الروم : 47 ] الآية . وقوله تعالى :
إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ
[ النساء : 163 ] الآية . وقوله تعالى
حم ( 1 ) عسق ( 2 ) كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
( 3 ) [ الشورى : 1 - 3 ] وقوله تعالى :
ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ
[ فصلت : 43 ] الآية . وقوله تعالى :
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ
[ آل عمران : 144 ] الآية . وقوله تعالى :
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا
[ الأنعام : 34 ] الآية ، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة . قوله تعالى :
وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ
. التحقيق إن شاء اللّه ، أن معنى الآية الكريمة ، ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في دار الدنيا ، فما أدري أأخرج من مسقط رأسي أو أقتل كما فعل ببعض الأنبياء . وما أدري ما ينالني من الحوادث والأمور في تحمل أعباء الرسالة . وما أدري ما يفعل بكم أيخسف بكم ، أو تنزل عليكم حجارة من السماء ، ونحو ذلك . وهذا هو اختيار ابن جرير وغير واحد من المحققين . وهذا المعنى في هذه الآية دلت عليه آيات من كتاب اللّه كقوله تعالى :
وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ
[ الأعراف : 188 ] الآية . وقوله تعالى آمرا له صلى اللّه عليه وسلم :
قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ
[ الأنعام : 50 ] الآية . وبهذا تعلم أن ما يروى عن ابن عباس وأنس وغيرهما من أن المراد ،
وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ
أي في الآخرة فهو خلاف التحقيق ، كما سترى إيضاحه إن شاء اللّه .