ضلال ظالمون . وكون جزاء الشرط في هذه الآية كونهم ضالين ظالمين بينه قوله تعالى في آخر فصلت :
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ
( 52 ) [ فصلت : 52 ] ، وقوله في آية الأحقاف هذه
فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
( 10 ) .
وقال أبو حيان في البحر : مفعولا أرأيتم محذوفان لدلالة المعنى عليهما .
والتقدير : أرأيتم حالكم ، إن كان كذا ألستم ظالمين .
فالأول حالكم ، والثاني ألستم ظالمين ، وجواب الشرط محذوف أي فقد ظلمتم .
ولذلك جاء فعل الشرط ماضيا .
وبعض العلماء يقول : إن
أَ رَأَيْتُمْ
بمعنى أخبروني . والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ
[ 10 ] .
التحقيق : إن شاء اللّه ، أن هذه الآية الكريمة جارية على أسلوب عربي معروف ، وهو إطلاق المثل ، على الذات نفسها ، كقولهم : مثلك ، لا يفعل هذا ، يعنون لا ينبغي لك أنت أن تفعله .
وعلى هذا فالمعنى ، وشهد شاهد من بني إسرائيل على أن هذا القرآن ، وحي منزل حقا من عند اللّه ، لا أنه شهد على شيء آخر مماثل له .
ولذا قال تعالى
فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ .
ومما يوضح هذا ، تكرر إطلاق المثل في القرآن مرادا به الذات كقوله تعالى
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ
[ الأنعام : 122 ] الآية .
فقوله : كمن مثله في الظلمات ، أي كمن هو نفسه في الظلمات ، وقوله تعالى
فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا
[ البقرة : 137 ] أي فإن آمنوا بما آمنتم به لا بشيء آخر مماثل له على التحقيق .
ويستأنس له بالقراءة المروية عن ابن عباس وابن مسعود
فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ
الآية .
القول بأن لفظة ما في الآية مصدرية ، وأن المراد تشبيه الإيمان بالإيمان ، أي فإن آمنوا بإيمان مثل إيمانكم فقد اهتدوا لا يخفى بعده .
والشاهد في الآية هو عبد اللّه بن سلام رضي اللّه عنه كما قال الجمهور ، وعليه فهذه الآية مدنية في سورة مكية .