تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
عبادتهم يحصل بها تعظيم اللّه وطاعته ، والخضوع له كما قال تعالى :
فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ
( 89 ) [ الأنعام : 89 ] . وقال تعالى :
فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ
( 38 ) [ فصلت : 38 ] . أو قلنا : إن معنى إلا ليعبدون أي إلا ليقروا لي بالعبودية ، ويخضعوا ويذعنوا لعظمتي ، لأن المؤمنين يفعلون ذلك طوعا ، والكفار يذعنون لقهره وسلطانه تعالى كرها . ومعلوم أن حكمة الابتلاء والتكليف لا تتم إلا بالجزاء على الأعمال . وقد بين تعالى أن من الحق الذي خلق السماوات والأرض خلقا متلبسا به ، جزاء الناس بأعمالهم ، كقوله تعالى في النجم
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى
( 31 ) [ النجم : 31 ] . فقوله تعالى :
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
أي هو خالقها ومن فيهما
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا
الآية . ويوضح ذلك قوله تعالى في يونس
إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ
( 4 ) [ يونس : 4 ] . ولما ظن الكفار أن اللّه خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا ، لا لحكمة تكليف وحساب وجزاء ، هددهم بالويل من النار ، بسبب ذلك الظن السئ ، في قوله تعالى :
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ
( 27 ) [ ص : 27 ] . وقد نزه تعالى نفسه عن كونه خلق الخلق عبثا ، لا لتكليف وحساب وجزاء ، وأنكر ذلك على من ظنه ، في قوله تعالى
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ( 115 ) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ
( 116 ) [ المؤمنون : 115 - 116 ] . فقوله ( فتعالى اللّه ) أي تنزه وتعاظم ، وتقدس ، عن أن يكون خلقهم لا لحكمة تكليف وبعث ، وحساب وجزاء . وهذا الذي نزه تعالى عنه نفسه ، نزهه عنه أولو الألباب ، كما قال تعالى :
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ ( 190 ) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ
إلى قوله :
رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ
( 191 ) [ آل عمران : 190 - 191 ] ، فقوله عنهم
سُبْحانَكَ
أي تنزيها لك ، عن أن تكون خلقت هذا الخلق ، باطلا لا لحكمة تكليف ، وبعث وحساب وجزاء . وقوله جل وعلا في آية الأحقاف هذه :
ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ ،
يفهم منه أنه لم يخلق ذلك باطلا ، ولا لعبا ولا عبثا .