ولما بين تعالى في أول سورة الفرقان ، صفات من يستحق أن يعبد ، ومن لا يستحق ذلك .
قال في صفات من يستحق العبادة :
الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً
( 2 ) [ الفرقان : 2 ] .
وقال في صفات من لا يصح أن يعبد
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ
[ الفرقان : 3 ] .
والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا وكل تلك الآيات تدل دلالة واضحة على أنه تعالى ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا خلقا متلبسا بالحق .
وقد بين جل وعلا أن من الحق الذي خلق السماوات والأرض وبينهما ، خلقا متلبسا به ، تعليمه خلقه أنه تعالى على كل شيء قدير ، وأنه قد أحاط بكل شيء علما ، وذلك في قوله تعالى :
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً
( 12 ) [ الطلاق : 12 ] .
فلام التعليل في قوله : لتعلموا متعلقة بقوله
خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ
الآية وبه تعلم أنه ما خلق السماوات السبع ، والأرضين السبع ، وجعل الأمر يتنزل بينهن ، إلا خلقا متلبسا بالحق .
ومن الحق الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما خلقا متلبسا به ، هو تكليف الخلق ، وابتلاؤهم أيهم أحسن عملا ، ثم جزاؤهم على أعمالهم ، كما قال تعالى في أول سورة هود :
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
[ هود : 7 ] .
فلام التعليل في قوله : ليبلوكم متعلقة بقوله
خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ
وبه تعلم أنه ما خلقهما إلا خلقا متلبسا بالحق .
ونظير ذلك قوله تعالى في أول الكهف
إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
[ الكهف : 7 ] . وقوله تعالى في أول الملك :
الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
[ الملك : 2 ] .
ومما يوضح أنه ما خلق السماوات والأرض إلا خلقا متلبسا بالحق ، قوله تعالى في آخر الذاريات
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ
( 57 ) [ الذاريات : 56 - 57 ] .
سواء قلنا : إن معنى إلا ليعبدون أي لآمرهم بعبادتي فيعبدني السعداء منهم ، لأن