على ذلك يوم القيامة ، قد بينه تعالى في غير هذا الموضع كقوله تعالى في آخر الكهف :
ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً
( 106 ) [ الكهف : 106 ] وقوله تعالى في الكهف أيضا :
وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً ( 56 ) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ
[ الكهف : 56 - 57 ] الآية . وقوله تعالى في سورة الجاثية هذه :
وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 34 ) ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُواً
[ الجاثية : 34 - 35 ] الآية .
وقرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير حمزة وحفص عن عاصم هزؤا بضم الزاي بعدها همزة محققة .
وقرأه حفص عن عاصم بضم الزاي وإبدال الهمزة واوا .
وقرأه حمزة هزءا بسكون الزاي بعدها همزة محققة في حالة الوصل .
وأما في حالة الوقف ، فعن حمزة نقل حركة الهمزة إلى الزاي فتكون الزاي مفتوحة بعدها ألف ، وعنه إبدالها واوا محركة بحركة الهمزة .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة
لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ
( 9 ) أي لأن عذاب الكفار الذين كانوا يستهزءون بآيات اللّه لا يراد به إلا إهانتهم وخزيهم وشدة إيلامهم بأنواع العذاب .
وليس فيه تطهير ولا تمحيص لهم بخلاف عصاة المسلمين فإنهم وإن عذبوا فسيصيرون إلى الجنة بعد ذلك العذاب .
فليس المقصود بعذابهم مجرد الإهانة بل ليؤلوا بعده إلى الرحمة ودار الكرامة .
قوله تعالى :
مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 10 )
[ 10 ] .
قوله تعالى :
مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ
قد قدمنا الآيات الموضحة له مع الشواهد العربية في سورة إبراهيم في الكلام على قوله تعالى :
وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ( 15 ) مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ
[ إبراهيم : 15 - 16 ] الآية . وبينا هناك أن أصح الوجهين أن وراء بمعنى أمام .
فمعنى من ورائه جهنم أي أمامه جهنم يصلاها يوم القيامة كما قال تعالى :
وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً
( 79 ) [ الكهف : 79 ] أي أمامهم ملك .
وذكرنا هناك الشواهد العربية على إطلاق وراء بمعنى أمام ، وبينا أن هذا هو التحقيق في معنى الآية وكذلك آية الجاثية هذه ، فقوله تعالى
مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ
أي أمامهم جهنم يصلونها يوم القيامة .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة
وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ