قد قدمنا الكلام عليه في هذه السورة الكريمة ، في الكلام على قوله تعالى :
فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ
( 8 ) [ الزخرف : 8 ] .
قوله تعالى :
وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ( 57 ) وَقالُوا أَ آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ( 58 )
[ 57 - 58 ] .
قرأ هذا الحرف نافع وابن عامر والكسائي ( يصدون ) بضم الصاد .
وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة ( يصدون ) بكسر الصاد .
فعلى قراءة الكسر فمعنى يصدون يضجون ويصيحون ، وقيل يضحكون ، وقيل معنى القراءتين واحد . كيعرشون ويعرشون ويعكفون ويعكفون .
وعلى قراءة الضم فهو من الصدود والفاعل المحذوف في قوله ( ضرب ) .
قال جمهور المفسرين هو عبد اللّه بن الزبعري السهمي قبل إسلامه .
أي ولما ضرب ابن الزبعري المذكور عيسى ابن مريم فاجأك قومك بالضجيج والصياح والضحك ، فرحا منهم وزعما منهم أن ابن الزبعري خصمك ، أو فاجأك صدودهم عن الإيمان بسبب ذلك المثل .
والظاهر أن لفظة من هنا سببية ، ومعلوم أن أهل العربية ، يذكرون أن من معاني من السببية ، ومنه قوله تعالى :
مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً
[ نوح : 25 ] .
أي بسبب خطيئاتهم أغرقوا .
ومن ذلك قول الحالفين في أيمان القسامة : أقسم باللّه لمن ضربه مات .
وإيضاح معنى ضرب ابن الزبعري عيسى مثلا ، أن اللّه لما أنزل قوله تعالى
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ
( 98 ) [ الأنبياء : 98 ] ، قال ابن الزبعري : إن محمدا صلى اللّه عليه وسلم يقول إن كل معبود من دون اللّه في النار وأننا وأصنامنا جميعا في النار ، وهذا عيسى ابن مريم قد عبده النصارى من دون اللّه فإن كان ابن مريم مع النصارى الذين عبدوه في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معه .
وقالوا مثل ذلك في عزير والملائكة لأن عزيرا عبده اليهود ، والملائكة عبدهم بعض العرب .
فاتضح أن ضربه عيسى مثلا ، يعني أنه على ما يزعم أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم قاله ، من أن كل معبود وعابده في النار ، يقتضي أن يكون عيسى مثلا لأصنامهم ، في كون الجميع في النار ، مع أن النبي صلى اللّه عليه وسلم يثني على عيسى الثناء الجميل ، ويبين للناس أنه عبد اللّه ورسوله ، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه .