وإذا عرفت معنى الجهتين المذكورتين وأنه بالنظر إلى إحداهما تثبت البنوة لابن البنت وبالنظر إلى الأخرى تنتفي عنه .
فاعلم أن قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن ابني هذا سيد » وقوله تعالى :
وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ
[ النساء : 23 ] ونحوها من الآيات ينزل على إحدى الجهتين :
وقوله تعالى :
ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ
[ الأحزاب : 40 ] يتنزل على الجهة الأخرى . وتلك الجهة هي التي يعني الشاعر بقوله :
* وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد *
ويزيد ذلك إيضاحا : أن قبائل العرب قد تكون بينهم حروب ومقاتلات ، فيكون ذلك القتال بين أعمام الرجل وأخواله ، فيكون مع عصبته دائما على أخواله ، كما في البيت المذكور .
وقد يكون الرجل منهم في أخواله فيعاملونه معاملة دون معاملتهم لأبنائهم .
كما أوضح ذلك غسان بن وعلة في شعره حيث يقول :
إذا كنت في سعد وأمك منهم * شطيرا فلا يغررك خالك من سعد
فإن ابن أخت القوم مصغي إناؤه * إذا لم يزاحم خاله بأب جلد
فقوله مصغي إناؤه من الإصغاء وهو الإمالة ، لأن الإناء إذا أميل ولم يترك معتدلا لم يتسع إلا للقليل ، فهو كناية عن نقص نصيبه فيهم وقلته .
وعلى الجهتين المذكورتين يتنزل اختلاف الصحابة في ميراث الجد والإخوة .
فمن رأى منهم أنه أب يحجب الإخوة ، فقد راعى في الجد إحدى الجهتين .
ومن رأى منهم أنه ليس بأب وأنه لا يحجب الإخوة فقد لاحظ الجهة الأخرى .
ولم نطل الكلام هنا في جميع الألفاظ المذكورة التي هي أحد عشر لفظا خوف الإطالة . ولأننا لم نجد نصوصا من الوحي تحدد شيئا منها تحديدا دقيقا .
ومعلوم أن لفظ القوم منها قد دل القرآن على أنه يختص بالذكور دون الإناث .
وإن الإناث قد يدخلن فيه بحكم التبع إذا اقترن بما يدل على ذلك .
لأن اللّه تعالى قال :
لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ
[ الحجرات : 11 ] الآية . فعطفه النساء على القوم يدل على عدم دخولهن في لفظ القوم .
ونظيره من كلام العرب قول زهير :
وما أدري وسوف إخال أدري * قوم آل حصن أم نساء