والوجه الثاني : وهو التحقيق إن شاء اللّه أن المراد بالجزء في الآية الولد ، وأنه أطلق عليه اسم الجزء ، لأن الفرع كأنه جزء من أصله والولد كأنه بضعة من الوالد كما لا يخفى .
وأما كون المراد بالولد المعبر عنه بالجزء في الآية خصوص الإناث فقرينة السياق دالة عليه دلالة واضحة ، لأن جعل الجزء المذكور للّه من عباده هو بعينه الذي أنكره اللّه إنكارا شديدا وقرع مرتكبه تقريعا شديدا في قوله تعالى بعده
أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ ( 16 ) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا
إلى قوله :
وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ
( 18 ) [ الزخرف : 16 - 18 ] .
وقرأ هذا الحرف شعبة عن عاصم
جُزْءاً
بضم الزاي وباقي السبعة بإسكانها وحمزة عند الوقف يسقط الهمزة ، بنقل حركتها إلى الزاي مع حذف التنوين للوقف .
قوله تعالى :
أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ ( 16 )
[ 16 ] .
أم هنا بمعنى استفهام الإنكار ، فالكفار لما قالوا : الملائكة بنات اللّه أنكر اللّه عليهم أشد الإنكار ، موبخا لهم أشد التوبيخ ، حيث افتروا عليه الولد ، ثم جعلوا له أنقص الولدين وأحقرهما وهو الأنثى كما قال هنا :
أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ
وهي النصيب الأدنى من الأولاد ، وأصفاكم أنتم ، أي خصكم وآثركم بالبنين الذين هم النصيب الأعلى من الأولاد .
وإنكار هذا عليهم وتوبيخهم عليه جاء موضحا في آيات كثيرة كقوله هنا
وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا
[ الزخرف : 17 ] يعني الأنثى ، كما أوضحه بقوله :
وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ
( 58 ) [ النحل : 58 ] يعني فكيف تجعلون للّه الإناث وأنتم لو بشر الواحد منكم بأن امرأته ولدت أنثى لظل وجهه مسودا يعني من الكآبة وهو كظيم أي ممتلئ حزنا وغما ، وكقوله تعالى هنا
أَ وَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ
( 18 ) [ الزخرف : 18 ] ففيه إنكار شديد وتقريع عظيم لهم بأنهم مع افترائهم عليه جل وعلا الولد جعلوا له أنقص الولدين الذي لنقصه الخلقي ، ينشأ في الحلية من الحلي والحلل وأنواع الزينة ، من صغره إلى كبره ليجبر بتلك الزينة نقصه الخلقي الطبيعي ، وهو في الخصام غير مبين ، لأن الأنثى غالبا لا تقدر على القيام بحجتها ولا الدفاع عن نفسها .
وقد أوضحنا هذا المعنى بشواهده العربية غاية الإيضاح في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى :
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
[ الإسراء : 9 ] وكقوله تعالى :
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ
( 57 ) [ النحل : 57 ] . وقوله تعالى :
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ
[ النحل : 62 ] . وقوله تعالى :
أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً
( 40 ) [ الإسراء : 40 ] وقوله تعالى
أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى ( 21 ) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى
( 22 ) [ النجم : 21 - 22 ] . وقوله تعالى :
فَاسْتَفْتِهِمْ أَ لِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ ( 149 ) أَمْ