تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
الآية .
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
، أي : لمن عصاه ، وهذا هو الموجب للتقوى ، فإن من خاف عقاب اللّه ، انكف عما يوجب العقاب ، كما أن من رجا ثواب اللّه ، عمل لما يوصله إلى الثواب ، ومن لم يخف العقاب ، ولم يرج الثواب ، اقتحم المحارم ، وتجرأ على ترك الواجبات . [ 197 ] يخبر تعالى أن
الْحَجُّ
واقع في
أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ
عند المخاطبين ، مشهورات ، بحيث لا تحتاج إلى تخصيص ، كما احتاج الصيام إلى تعيين شهره ، وكما بين تعالى أوقات الصلوات الخمس . وأما الحج ، فقد كان من ملة إبراهيم التي لم تزل مستمرة في ذريته ، معروفة بينهم . والمراد بالأشهر المعلومات عند الجمهور : شوال ، وذو القعدة ، وعشر من ذي الحجة ، فهي التي يقع فيها الإحرام بالحج غالبا .
فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ
، أي : أحرم به ، لأن الشروع فيه يصيره فرضا ، ولو كان نفلا . واستدل بهذه الآية ، الشافعي ومن تابعه على أنه لا يجوز الإحرام بالحج قبل أشهره ، قلت : لو قيل : فيها دلالة لقول الجمهور بصحة الإحرام بالحج قبل أشهره لكان قريبا ، فإن قوله :
فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ
دليل على أن الفرض قد يقع في الأشهر المذكورة ، وقد لا يقع فيها ، وإلا لم يقيده . وقوله :
فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ
، أي : يجب أن تعظموا الإحرام بالحج ، وخصوصا الواقع في أشهره ، وتصونوه عن كل ما يفسده أو ينقصه من الرفث وهو : الجماع ومقدماته الفعلية والقولية ، خصوصا عند النساء بحضرتهن . والفسوق ، وهو : جميع المعاصي ، ومنها محظورات الإحرام . والجدال ، وهو : المماراة والمنازعة والمخاصمة ، لكونها تثير الشر ، وتوقع العداوة . والمقصود من الحج : الذل والانكسار للّه ، والتقرب إليه بما أمكن من القربات ، والتنزه عن مقارفة السيئات ، فإنه بذلك ، يكون مبرورا ، والمبرور ليس له جزاء إلا الجنة ، وهذه الأشياء ، وإن كانت ممنوعة في كل مكان وزمان ، فإنه يتغلظ المنع عنها في الحج . واعلم أنه لا يتم التقرب إلى اللّه بترك المعاصي حتى يفعل الأوامر ، ولهذا قال تعالى :
وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ
، أتى ب « من » للتنصيص على العموم ، فكل خير وقربة وعبادة ، داخل في ذلك ، أي : فإن اللّه به عليم ، وهذا يتضمن غاية الحث على أفعال الخير ، خصوصا في تلك البقاع الشريفة والحرمات المنفية ، فإنه ينبغي تدارك ما أمكن تداركه فيها ، من صلاة وصيام وصدقة وطواف وإحسان قولي وفعلي . ثم أمر تعالى بالتزود لهذا السفر المبارك ، فإن التزود فيه الاستغناء عن المخلوقين ، والكف عن أموالهم ، سؤالا واستشرافا ، وفي الإكثار منه نفع وإعانة للمسافرين ، وزيادة قربة لرب العالمين ، وهذا الزاد المراد منه إقامة البنية بلغة ومتاعا . وأما الزاد الحقيقي المستمر نفعه لصاحبه ، في دنياه وأخراه ، فهو زاد التقوى الذي هو زاد إلى دار القرار ، وهو الموصل لأكمل لذة ، وأجلّ نعيم دائما أبدا ، ومن ترك هذا الزاد ، فهو المنقطع به الذي هو عرضة لكل شر ، وممنوع من الوصول إلى دار المتقين ، فهذا مدح للتقوى . ثم أمر بها أولي الألباب فقال :
وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ
، أي : يا أهل العقول الرزينة ، اتقوا ربكم الذي تقواه أعظم ما تأمر به العقول ، وتركها دليل على الجهل ، وفساد الرأي . [ 198 ]
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ
، لما أمر تعالى بالتقوى ، أخبر تعالى أن ابتغاء فضل اللّه بالتكسب في مواسم الحج وغيره ليس فيه حرج إذا لم يشغل عما يجب إذا كان المقصود هو الحج ، وكان الكسب حلالا منسوبا إلى فضل اللّه ، لا منسوبا إلى حذق العبد ، والوقوف مع السبب ، ونسيان المسبب ، فإن هذا هو الحرج بعينه . وفي قوله :
فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ
دلالة على أمور : أحدها : الوقوف بعرفة ، وأنه كان معروفا أنه ركن من أركان الحج ، فالإفاضة من عرفات ، لا تكون إلا بعد الوقوف . الثاني : الأمر بذكر اللّه عند المشعر الحرام ، وهو المزدلفة ، وذلك أيضا معروف ، يكون ليلة النحر بائتا بها ، وبعد صلاة الفجر ، يقف في المزدلفة داعيا حتى يسفر جدا ، ويدخل في ذكر اللّه عنده ، إيقاع الفرائض والنوافل فيه . الثالث : أن الوقوف بمزدلفة ، متأخر عن الوقوف بعرفة ، كما تدل عليه الفاء والترتيب . الرابع والخامس : أن عرفات ومزدلفة كلاهما من مشاعر الحج
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 99 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي