يستحب فيها التكبير المطلق ، كالعشر ، وليس ببعيد .
فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ
، أي : خرج من « منى » ونفر منها قبل غروب شمس اليوم الثاني .
فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ
بأن بات بها ليلة الثالث ورمى من الغد
فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ
وهذا تخفيف من اللّه تعالى على عباده ، في إباحة كلا الأمرين ، ولكن من المعلوم أنه إذا أبيح كلا الأمرين ، فالمتأخر أفضل ، لأنه أكثر عبادة . ولما كان نفي الحرج قد يفهم منه نفي الحرج في ذلك المذكور ، وفي غيره ، والحال أن الحرج منفي عن المتقدم والمتأخر فقط ، قيده بقوله :
لِمَنِ اتَّقى
، أي : اتقى اللّه في جميع أموره وأحوال الحج ، فمن اتقى اللّه في كل شيء ، حصل له نفي الحرج في كل شيء ، ومن اتقاه في شيء دون شيء ، كان الجزاء من جنس العمل .
وَاتَّقُوا اللَّهَ
بامتثال أوامره واجتناب معاصيه ،
وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
فمجازيكم بأعمالكم ، فمن اتقاه ، وجد جزاء التقوى عنده ، ومن لم يتقه ، عاقبه أشد العقوبة ، فالعلم بالجزاء من أعظم الدواعي لتقوى اللّه ، فلهذا حث تعالى ، على العلم بذلك .
[ 204 ] لما أمر تعالى بالإكثار من ذكره ، وخصوصا في الأوقات الفاضلة ، الذي هو خير مصلحة وبر ، أخبر تعالى بحال من يتكلم بلسانه ، ويخالف فعله قوله ، فالكلام إما أن يرفع الإنسان أو يخفضه ، فقال :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
، أي : إذا تكلم ، راق كلامه للسامع ، وإذا نطق ظننته يتكلم بكلام نافع ، ويؤكد ما يقول بأنه
وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ
بأن يخبر أن اللّه يعلم أن ما في قلبه موافق لما نطق به ، وهو كاذب في ذلك ، لأنه يخالف قوله فعله . فلو كان صادقا ، لتوافق القول والفعل ، كحال المؤمن غير المنافق ، ولهذا قال :
وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ
، أي : إذا خاصمته ، وجدت فيه من اللدد والصعوبة والتعصب ، وما يترتب على ذلك ، ما هو من مقابح الصفات ، ليس كأخلاق المؤمنين ، الذين جعلوا السهولة مركبهم ، والانقياد للحق وظيفتهم ، والسماحة سجيتهم .
[ 205 ]
وَإِذا تَوَلَّى
هذا الذي يعجبك قوله إذا حضر عندك
سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها
، أي : يجتهد على أعمال المعاصي ، التي هي إفساد في الأرض
وَيُهْلِكَ
بسبب ذلك
الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ
، فالزروع والثمار والمواشي تتلف وتنقص ، وتقل بركتها ، بسبب العمل في المعاصي .
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ
، فإذا كان لا يحب الفساد ، فهو يبغض العبد المفسد في الأرض ، غاية البغض ، وإن قال بلسانه قولا حسنا . ففي هذه الآية دليل على أن الأقوال التي تصدر من الأشخاص ، ليست دليلا على صدق ولا كذب ، ولا بر ولا فجور ، حتى يوجد العمل المصدق لها ، المزكي لها ، وأنه ينبغي اختبار أحوال الشهود ، والمحق والمبطل من الناس ببرّ أعمالهم ، والنظر لقرائن أحوالهم ، وأن لا يغتر بتمويههم وتزكيتهم أنفسهم .
[ 206 ] ثم ذكر أن هذا المفسد في الأرض بمعاصي اللّه ، إذا أمر بتقوى اللّه تكبّر وأنف ،
أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ
فيجمع بين العمل بالمعاصي والتكبر على الناصحين .
فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ
التي هي دار العاصين والمتكبرين ،
وَلَبِئْسَ الْمِهادُ
، أي : المستقر والمسكن ، عذاب دائم ، وهم لا ينقطع ، ويأس مستمر ، لا يخفف عنهم العذاب ، ولا يرجون الثواب ، جزاء لجنايتهم ومقابلة لأعمالهم ، فعياذا باللّه من أحوالهم . معاني المفردات : قال في « الصحاح » :
شريت الشيء أشريه شراء ، إذا بعته ، وإذا اشتريته أيضا ، وهو من الأضداد .
[ 207 ] قال تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ
، أي : يبيعها . وقال تعالى :
وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ
، أي : باعوه ، ا . ه . ومثله في القاموس . هذه الآية نزلت في صهيب بن سنان الرومي حين أراده المشركون على ترك الإسلام ، كما رواه ابن عباس وأنس ، وسعيد بن المسيب وأبو عثمان النهدي وعكرمة وجماعة غيرهم ، وذلك أنه لما أسلم بمكة وأراد الهجرة ، منعه الناس أن يهاجر بماله ، وإن يهاجر بماله ، وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر فعل ، فتخلص منهم وأعطاهم ماله ، فأنزل اللّه فيه هذه الآية ، فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة ، فقالوا له : ربح البيع ربح البيع ، فقال : وأنتم ، فلا أخسر اللّه تجارتكم ، وما ذاك ؟ فأخبروه أن اللّه أنزل فيه هذه الآية .