تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
مقابلة له ، جمعا بين الأدلة ، ولهذا قال تعالى توكيدا وتقوية لما تقدم :
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
. هذا تفسير لصفة المقاصة ، وأنها هي المماثلة في مقابلة المعتدي . ولما كانت النفوس - في الغالب - لا تقف على حدها إذا رخص لها في المعاقبة لطلبها التشفي ، أمر تعالى بلزوم تقواه ، التي هي الوقوف عند حدوده ، وعدم تجاوزها ، وأخبر تعالى أنه
مَعَ الْمُتَّقِينَ
أي : بالعون ، والنصر ، والتأييد ، والتوفيق . ومن كان اللّه معه ، حصل له السعادة الأبدية ، ومن لم يلزم التقوى ، تخلى عنه وليه ، وخذله ، فوكله إلى نفسه ، فصار هلاكه أقرب إليه من حبل الوريد . [ 195 ]
وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
، يأمر تعالى عباده بالنفقة في سبيله ، وهو إخراج الأموال في الطرق الموصلة إلى اللّه ، وهي كل طرق الخير من صدقة على مسكين ، أو قريب ، أو إنفاق على من تجب مئونته . وأعظم ذلك ، وأول ما يدخل في ذلك الإنفاق في الجهاد في سبيل اللّه ، فإن النفقة فيه جهاد بالمال ، وهو فرض كالجهاد بالبدن ، وفيها من المصالح العظيمة الإعانة على تقوية المسلمين ، وتوهين الشرك وأهله ، وعلى إقامة دين اللّه وإعزازه ، فالجهاد في سبيل اللّه ، لا يقوم إلا على ساق النفقة . فالنفقة له كالروح ، لا يمكن وجوده بدونها ، وفي ترك الإنفاق في سبيل اللّه إبطال للجهاد ، وتسليط للأعداء ، وشدة تكالبهم ، فيكون قوله تعالى :
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
كالتعليل لذلك . والإلقاء باليد إلى التهلكة يرجع إلى أمرين : ترك ما أمر به العبد ، إذا كان تركه موجبا أو مقاربا لهلاك البدن أو الروح ، وفعل ما هو سبب موصل إلى تلف النفس أو الروح ، فيدخل تحت ذلك أمور كثيرة ، فمن ذلك ترك الجهاد في سبيل اللّه ، أو النفقة فيه ، الموجب لتسلط الأعداء ، ومن ذلك ، تغرير الإنسان بنفسه في مقاتلة أو سفر مخوف ، أو محل مسبعة أو حيات ، أو يصعد شجرا ، أو بنيانا خطرا ، أو يدخل تحت شيء فيه خطر ، ونحو ذلك . فهذا ونحوه ، ممن ألقى بيده إلى التهلكة . ومن ذلك الإقامة على معاصي اللّه ، واليأس من التوبة ، ومنها ترك ما أمر اللّه به من الفرائض ، التي في تركها هلاك الروح والدين . ولما كانت النفقة في سبيل اللّه نوعا من أنواع الإحسان ، أمر بالإحسان عموما ، فقال :
وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
، وهذا يشمل جميع أنواع الإحسان [ لأنه لم يقيده بشيء دون شيء . فيدخل فيه الإحسان ] « 1 » بالمال كما تقدم . ويدخل فيه الإحسان بالجاه ، والشفاعات ونحو ذلك ، ويدخل في ذلك الإحسان الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وتعليم العلم النافع ، ويدخل في ذلك قضاء حوائج الناس من تفريج كرباتهم ، وإزالة شدائدهم ، وعيادة مرضاهم ، وتشييع جنائزهم ، وإرشاد ضالهم ، وإعانة من يعمل عملا ، والعمل لمن لا يحسن العمل ، ونحو ذلك مما هو من الإحسان الذي أمر اللّه به . ويدخل في الإحسان أيضا ، الإحسان في عبادة اللّه تعالى ، وهو كما ذكر النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « أن تعبد اللّه كأنّك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك » . فمن اتصف بهذه الصفات ، كان من الذين قال اللّه فيهم :
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ
، وكان اللّه معه يسدده ويرشده ويعينه على كل أموره . [ 196 ] ولما فرغ تعالى من ذكر أحكام الصيام والجهاد ، ذكر أحكام الحج فقال :
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ
، الآية ، يستدل بقوله :
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ
على أمور : أحدها : وجوب الحج والعمرة ، وفرضيتهما . الثاني : وجوب إتمامهما بأركانهما وواجباتهما التي قد دل عليها فعل النبي صلّى اللّه عليه وسلم وقوله : « خذوا عني مناسككم » . الثالث : أن فيه حجة لمن قال بوجوب العمرة . الرابع : أن الحج والعمرة يجب إتمامهما بالشروع فيهما ، ولو كانا نفلا . الخامس : الأمر بإتقانهما وإحسانهما ، وهذا قدر زائد على فعل ما يلزم لهما . السادس : وفيه الأمر بإخلاصهما
لِلَّهِ
تعالى . السابع : أنه لا يخرج المحرم بهما بشيء من الأشياء حتى يكملهما ، إلا بما استثناه اللّه ، وهو الحصر ، فلهذا قال :
فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ
،
هامش
( 1 ) سقط من المطبوعة التي بين يدينا ، وهو موافق للسياق .