تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
لقتالكم ، وهم المكلفون الرجال ، غير الشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال . والنهي عن الاعتداء يشمل أنواع الاعتداء كلها ، من قتل من لا يقاتل من النساء والمجانين والأطفال والرهبان ونحوهم ، والتمثيل بالقتلى ، وقتل الحيوانات ، وقطع الأشجار ونحوها لغير مصلحة تعود للمسلمين . ومن الاعتداء مقاتلة من تقبل منهم الجزية إذا بذلوها ، فإن ذلك لا يجوز . [ 191 ]
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ
، هذا أمر بقتالهم أينما وجدوا ، في كل وقت ، وفي كل زمان ، قتال مدافعة ، وقتال مهاجمة . ثم استثنى من هذا العموم قتالهم
عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
، وأنه لا يجوز إلا أن يبدءوا بالقتال ، فإنهم يقاتلون ، جزاء لهم على اعتدائهم . [ 192 ] وهذا مستمر في كل وقت ، حتى ينتهوا عن كفرهم فيسلموا ، فإن اللّه يتوب عليهم ، ولو حصل منهم ما حصل من الكفر باللّه والشرك ، في المسجد الحرام ، وصد الرسول والمؤمنين عنه ، وهذا من رحمته وكرمه بعباده . [ 193 ] ولما كان القتال عند المسجد الحرام يتوهم أنه مفسدة في هذا البلد الحرام ، أخبر تعالى أن المفسدة بالفتنة عنده من الشرك ، والصد عن دينه ، أشد من مفسدة القتل ، فليس عليكم - أيها المسلمون - حرج في قتالهم . ويستدل من هذه الآية - على القاعدة المشهورة - وهي : أنه يرتكب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما . ثم ذكر تعالى المقصود من القتال في سبيله ، وأنه ليس المقصود به ، سفك دماء الكفار ، وأخذ أموالهم ، ولكن المقصود به أن
وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ
[ 193 ] تعالى ، فيظهر دين اللّه تعالى ، على سائر الأديان ، ويدفع كل ما يعارضه من الشرك وغيره ، وهو المراد بالفتنة ، فإذا حصل هذا المقصود فلا قتل ولا قتال .
فَإِنِ انْتَهَوْا
عن قتالكم عند المسجد الحرام
فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ
أي : فليس عليهم منكم اعتداء ، إلا من ظلم منهم ، فإنه يستحق المعاقبة بقدر ظلمه . [ 194 ] يقول تعالى :
الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ
، يحتمل أن يكون المراد به ما وقع من صد المشركين للنبي صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه عام الحديبية عن الدخول لمكة ، وقاضوهم على دخولها من قابل ، وكان الصد والقضاء في شهر حرام ، وهو ذو القعدة ، فيكون هذا بهذا ، فيكون فيه تطييب لقلوب الصحابة بتمام نسكهم وكماله . ويحتمل أن يكون المعنى : أنكم إن قاتلتموهم في الشهر الحرام ، فقد قاتلوكم فيه ، وهم المعتدون ، فليس عليكم في ذلك حرج . وعلى هذا فيكون قوله :
وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ
من باب عطف العام على الخاص ، أي : كل شيء يحترم من شهر حرام ، أو بلد حرام ، أو إحرام ، أو ما هو أعم من ذلك ، جميع ما أمر الشرع باحترامه ، فمن تجرأ عليها ، فإنه يقتص منه . فمن قاتل في الشهر الحرام قوتل ، ومن هتك البلد الحرام ، أخذ منه الحد ولم يكن له حرمة ، ومن قتل مكافئا له قتل به ، ومن جرحه أو قطع عضوا منه اقتص منه ، ومن أخذ مال غيره المحترم ، أخذ منه بدله . ولكن هل لصاحب الحق أن يأخذ من ماله بقدر حقه أم لا ؟ خلاف بين العلماء ، الراجح من ذلك أنه إن كان سبب الحق ظاهرا كالضيف إذا لم يقره غيره ، والزوجة والقريب إذا امتنع من تجب عليه النفقة من الإنفاق عليه ، فإنه يجوز أخذه من ماله . وإن كان السبب خفيا ، كمن جحد دين غيره ، أو خانه في وديعة ، أو سرق منه ونحو ذلك ، فإنه لا يجوز له أن يأخذ من ماله