تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 973

مساهمون:

ص٩٧٣
أي : جاءتكم رسلي بالآيات البينات ، والحجج الواضحات ، والبراهين الساطعات ، فقامت عليكم حجتي ، وانقطعت حجتكم ، وقدمتم إليّ بما أسلفتم من الأعمال التي وجب جزاؤها . [ 29 ]
ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ
، أي : لا يمكن أن يخلف ما قاله اللّه وأخبر به ، لأنه لا أصدق من اللّه قيلا ، ولا أصدق حديثا .
وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
، بل أجزيهم بما عملوا من خير وشر ، فلا يزاد في سيئاتهم ، ولا ينقص من حسناتهم . [ 30 ] يقول تعالى مخوفا لعباده :
يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ
، وذلك من كثرة ما ألقي فيها .
وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ
، أي : لا تزال تطلب الزيادة ، من المجرمين العاصين ، غضبا لربها ، وغيظا على الكافرين . وقد وعدها اللّه ملأها ، كما قال تعالى :
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ *
حتى يضع رب العزة عليها قدمه الكريمة المنزهة عن التشبيه ، فينزوي بعضها على بعض ، وتقول : قط قط ، قد اكتفيت وامتلأت . [ 31 ]
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ
، أي : قربت
لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ
بحيث تشاهد وينظر ما فيها ، من النعيم المقيم ، والحبرة والسرور ، وإنما أزلفت وقربت ، لأجل المتقين لربهم ، التاركين للشرك ، كبيره وصغيره ، الممتثلين لأوامر ربهم ، المنقادين له . [ 32 ] ويقال لهم على وجه التهنئة :
هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ
( 32 ) ، أي : هذه الجنة وما فيها ، ما تشتهيه الأنفس ، وتلذ الأعين ، هي التي وعد اللّه كل أواب ، أي : رجّاع إلى اللّه ، في جميع الأوقات ، بذكره وحبه ، والاستعانة به ، ودعائه وخوفه ورجائه .
حَفِيظٍ
، أي : محافظ على ما أمر اللّه به ، بامتثاله على وجه الإخلاص ، والإكمال له على أتم الوجوه ، حفيظ لحدوده . [ 33 ]
مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ
، أي : خافه على وجه المعرفة بربه ، والرجاء لرحمته ولازم على خشية اللّه في حال غيبه ، أي : مغيبه عن أعين الناس ، وهذه هي الخشية الحقيقية . وأما خشيته في حال نظر الناس وحضورهم ، فقد تكون رياء وسمعة ، فلا تدل على الخشية ، وإنما الخشية النافعة ، خشيته في الغيب والشهادة .
وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ
، أي : وصفه الإنابة إلى مولاه ، وانجذاب دواعيه إلى مراضيه . [ 34 ] ويقال لهؤلاء الأتقياء الأبرار :
ادْخُلُوها بِسَلامٍ
، أي : دخولا مقرونا بالسلامة من الآفات والشرور ، مأمونا فيه جميع مكاره الأمور ، فلا انقطاع لنعيمهم ، ولا كدر ، ولا تنغيص .
ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ
الذي لا زوال له ولا موت ، ولا شيء من المكدرات . [ 35 ]
لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها
، أي : كل ما تعلقت به مشيئتهم ، فهو حاصل فيها .
وَلَدَيْنا
فوق ذلك
مَزِيدٌ
، أي : ثواب يمدهم به الرحمن الرحيم ، مما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . وأعظم ذلك وأجلّه وأفضله ، النظر إلى وجهه الكريم ، والتمتع بسماع كلامه ، والتنعم بقربه ، فنسأله ذلك من فضله . [ 36 ] يقول تعالى - مخوفا للمشركين المكذبين للرسول - :
وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ
، أي : أمما كثيرة
هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً
، أي : قوة وآثارا في الأرض . ولهذا قال :
فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ
، أي : بنوا الحصون المنيعة والمنازل الرفيعة ، وغرسوا الأشجار ، وأجروا الأنهار ، وزرعوا ، وعمروا ، ودمروا . فلما كذبوا رسل اللّه ، وجحدوا آياته ، أخذهم اللّه بالعقاب الأليم ، والعذاب الشديد .
هَلْ مِنْ مَحِيصٍ
، أي : لا مفر لهم من عذاب اللّه ، حين نزل بهم ،
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 973 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي