تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 971

مساهمون:

ص٩٧١
من كل صنف من أصناف النبات ، التي تسر ناظريها ، وتعجب مبصريها ، وتقر عين رامقيها ، لأكل بني آدم ، وأكل بهائمهم ، ومنافعهم . وخص من تلك المنافع ، الجنات المشتملة على الفواكه اللذيذة ، من العنب والرمان والأترج والتفاح ، وغير ذلك من أصناف الفواكه . ومن النخيل الباسقات ، أي : الطوال ، التي يطول نفعها ، وترتفع إلى السماء حتى تبلغ مبلغا لا يبلغه كثير من الأشجار ، فتخرج من الطلع النضيد ، في قنوانها ، ما هو رزق للعباد قوتا وأدما وفاكهة ، يأكلون منه ويدخرون ، هم ومواشيهم . وكذلك يخرج اللّه بالمطر ، وما هو أثره من الأنهار ، التي على وجه الأرض وتحتها من
حَبَّ الْحَصِيدِ
، أي : من الزرع المحصود ، من برّ وشعير ، وذرة ، وأرز ، ودخن وغيره . فإن في النظر في هذه الأشياء
تَبْصِرَةً
يتبصر بها من عمى الجهل ،
وَذِكْرى
يتذكر بها ، ما ينفع في الدين والدنيا ، ويتذكر بها ، ما أخبر اللّه به ، وأخبرت به رسله ، وليس ذلك لكل أحد ، بل
لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ
إلى اللّه ، أي : مقبل عليه بالحق والخوف والرجاء ، وإجابة داعيه . وأما المكذب والمعرض ، فما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون . وحاصل هذا ، أن ما فيها من الخلق الباهر ، والقوة والشدة ، دليل على كمال قدرة اللّه تعالى . وما فيها من الحسن والإتقان ، وبديع الصنعة ، وبديع الخلقة ، دليل على أن اللّه أحكم الحاكمين ، وأنه بكل شيء عليم . وما فيها من المنافع والمصالح للعباد ، دليل على رحمة اللّه التي وسعت كل شيء ، وجوده الذي عم كل حي . وما فيها من عظمة الخلقة ، وبديع النظام ، دليل على أن اللّه تعالى ، هو الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ، ولم يكن له كفوا أحد ، وأنه الذي لا تنبغي العبادة والذل والحب إلا له . وما فيها من إحياء الأرض بعد موتها ، دليل على إحياء اللّه الموتى ، ليجازيهم بأعمالهم ، ولهذا قال :
وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ
. [ 12 - 15 ] ولما ذكرهم بهذه الآيات السماوية والأرضية ، خوّفهم أخذات الأمم ، وألا يستمروا على ما هم عليه من التكذيب ، فيصيبهم ما أصاب إخوانهم من المكذبين ، فقال :
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ
إلى :
مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ
. أي : كذب الذين من قبلهم من الأمم ، رسلهم الكرام ، وأنبياءهم العظام ك « نوح » كذبه قومه ، و « ثمود » كذبوا « صالحا » ، وعاد كذبوا « هودا » ، وإخوان لوط كذبوا « لوطا » ، وأصحاب الأيكة كذبوا « شعيبا » ، وقوم تبع - « وتبع » كل ملك ملك اليمن في الزمان السابق قبل الإسلام - فقوم تبع كذبوا الرسول ، الذي أرسله اللّه إليهم ، ولم يخبرنا اللّه من هو ذلك الرسول ، وأي تبّع من التبابعة ، لأنه - واللّه أعلم - كان مشهورا عند العرب العرباء ، الذين لا تخفى ماجرياتهم على العرب ، خصوصا مثل هذه الحادثة العظيمة . فهؤلاء كلهم كذبوا الرسل ، الذين أرسلهم اللّه إليهم ، فحق عليهم وعيد اللّه وعقوبته . ولستم أيها المكذبون لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم خيرا منهم ، ولا رسلهم أكرم على اللّه من رسولكم ، فاحذروا جرمهم ، لئلا يصيبكم ما أصابهم . ثم استدل تعالى بالخلق الأول - وهو النشأة الأولى - على الخلق الآخر ، وهو النشأة الآخرة . فكما أنه الذي أوجدهم بعد العدم ، كذلك يعيدهم بعد موتهم وصيرورتهم إلى الرفات والرمم ، فقال :
أَ فَعَيِينا
، أي : أفعجزنا وضعفت قدرتنا
بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ
؟ ليس الأمر كذلك ، فلم نعجز ونعي عن ذلك ، وليسوا في شك من ذلك .
بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ
هذا الذي شكوا فيه ، والتبس عليهم أمره ، مع أنه لا محل للبس فيه ، لأن الإعادة أهون من الابتداء كما قال تعالى :
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ
. [ 16 ] يخبر تعالى ، أنه المتفرد بخلق جنس الإنسان ، ذكورهم وإناثهم ، وأنه يعلم أحواله ، وما يسرّه ، وتوسوس به نفسه . وأنه
أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
الذي هو أقرب شيء إلى الإنسان ، وهو : العظم المكتنف لثغرة النحر ، وهذا مما يدعو الإنسان إلى مراقبة خالقه ، المطلع على ضميره وباطنه ، القريب إليه في جميع أحواله ، فيستحيي منه أن يراه حيث نهاه ، أو يفقده حيث أمره . [ 17 ] وكذلك ينبغي له أن يجعل الملائكة الكرام الكاتبين منه على بال ، فيجلهم ويوقرهم ، ويحذر أن يفعل أو يقول ما يكتب عنه ، مما لا يرضي رب العالمين ، ولهذا قال :
إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ
، أي : يتلقيان عن العبد أعماله كلها ، واحد
عَنِ الْيَمِينِ
يكتب الحسنات ،
وَ
الآخر
عَنِ الشِّمالِ
يكتب السيئات ،
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 971 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي