تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 976

مساهمون:

ص٩٧٦
قد تلقوها بالرحب ، وانشراح الصدر ، منقادين لما أمر اللّه به ، بالامتثال على أكمل الوجوه . ولما نهى عنه ، بالانزجار عنه للّه ، على أكمل وجه ، فإن الذين أعطاهم اللّه من الأوامر والنواهي هو أفضل العطايا ، التي حقها ، أن تتلقى بالشكر للّه عليها ، والانقياد . والمعنى الأول ، ألصق بسياق الكلام ، لأنه ذكر وصفهم في الدنيا ، وأعمالهم بقوله :
إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ
الوقت الذي وصلوا به إلى النعيم
مُحْسِنِينَ
. وهذا شامل لإحسانهم بعبادة ربهم ، أن يعبدوه كأنهم يرونه ، فإن لم يكونوا يرونه ، فإنه يراهم ، وللإحسان إلى عباد اللّه ببذل النفع والإحسان ، من مال ، أو علم ، أو جاه ، أو نصيحة ، أو أمر بمعروف ، أو نهي عن منكر ، أو غير ذلك من وجوه البر ، وطرق الخيرات . حتى إنه يدخل في ذلك ، الإحسان بالقول ، والكلام اللين والإحسان إلى المماليك ، والبهائم المملوكة ، وغير المملوكة . [ 17 ] ومن أفضل أنواع الإحسان في عبادة الخالق ، صلاة الليل ، الدالة على الإخلاص ، وتواطؤ القلب واللسان ، ولهذا قال :
كانُوا
، أي : المحسنون
قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ
، أي : كان هجوعهم ، أي : نومهم بالليل ، قليلا . وأما أكثر الليل ، فإنهم قانتون لربهم ، ما بين صلاة ، وقراءة ، وذكر ، ودعاء ، وتضرع . [ 18 ]
وَبِالْأَسْحارِ
التي هي قبيل الفجر
هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
اللّه تعالى . فمدوا صلاتهم إلى السحر ، ثم جلسوا في خاتمة قيامهم بالليل ، يستغفرون اللّه تعالى ، استغفار المذنب لذنبه ، وللاستغفار بالأسحار فضيلة وخصيصة ليست لغيره ، كما قال تعالى في وصف أهل الإيمان والطاعة :
وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ
. [ 19 ]
وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ
واجب ومستحب
لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ
، أي : للمحتاجين الذين يطلبون من الناس ، والذين لا يسألونهم . [ 20 ] يقول تعالى - داعيا عباده إلى التفكر والاعتبار - :
وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ
( 20 ) ، وذلك شامل لنفس الأرض ، وما فيها من جبال ، وبحار وأنهار ، وأشجار ونبات ، تدل المتفكر فيها ، المتأمل لمعانيها ، على عظمة خالقها ، وسعة سلطانه ، وعميم إحسانه ، وإحاطة علمه ، بالظواهر والبواطن . وكذلك في نفس العبد من العبر والحكمة والرحمة ما يدل على أن اللّه واحد صمد ، وأنه لم يخلق الخلق سدى . [ 22 ] وقوله :
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ
، أي : مادة رزقكم من الأمطار ، وصنوف الأقدار ، الرزق الديني ، والدنيوي .
وَما تُوعَدُونَ
من الجزاء في الدنيا والآخرة ، فإنه ينزل من عند اللّه كسائر الأقدار . [ 23 ] فلما بين الآيات ونبه عليها تنبيها ، ينتبه به الذكي اللبيب ، أقسم تعالى على أن وعده وجزاءه حق ، وشبه ذلك بأظهر الأشياء لنا ، وهو النطق ، فقال :
فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ
( 23 ) . فكما أنكم لا تشكون في نطقكم ، فكذلك ينبغي أن لا يعتريكم الشك في البعث والجزاء . [ 24 ] يقول تعالى :
هَلْ أَتاكَ
، أي : أما جاءك
حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ
، ونبأهم الغريب العجيب ، وهم الملائكة الذين أرسلهم اللّه لإهلاك قوم لوط ، وأمرهم بالمرور على إبراهيم ، فجاءوه في صورة أضياف . [ 25 ]
إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ
مجيبا لهم
سَلامٌ
، أي : عليكم
قَوْمٌ مُنْكَرُونَ
، أي : أنتم قوم منكرون ، فأحب أن تعرفوني بأنفسكم ، ولم يعرفهم إلا بعد ذلك . [ 26 ]
فَراغَ إِلى أَهْلِهِ
، أي : ذهب سريعا في خفية ، ليحضر لهم
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 976 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي