تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 970

مساهمون:

ص٩٧٠
لكمال اتباعه وسرعة الانقياد له ، وشكر اللّه على المنة به . [ 2 ] ولكن أكثر الناس ، لا يقدر نعم اللّه قدرها ، ولهذا قال تعالى :
بَلْ عَجِبُوا
، أي : المكذبون للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ،
أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ
منهم ، أي : ينذرهم ما يضرهم ، ويأمرهم بما ينفعهم ، وهو من جنسهم ، يمكنهم التلقي عنه ، ومعرفة أحواله وصدقه . فتعجبوا من أمر لا ينبغي لهم التعجب منه ، بل يتعجب من عقل ، من تعجب منه .
فَقالَ الْكافِرُونَ
، أي : الّذين حملهم كفرهم وتكذيبهم ، لا نقص بذكائهم وآبائهم .
هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ
، أي : مستغرب ، وهم في هذا الاستغراب ، بين أمرين : إما صادقون في استغرابهم وتعجبهم ، فهذا يدل على غاية جهلهم ، وضعف عقولهم . بمنزلة المجنون الذي يستغرب كلام العاقل ، وبمنزلة الجبان الذي يتعجب من لقاء الفارس للفرسان ، وبمنزلة البخيل الذي يستغرب سخاء أهل السخاء ، فأي ضرر يلحق من تعجب من هذه حاله ؟ وهل تعجبه إلا دليل على زيادة جهله وظلمه ؟ وإما أن يكونوا متعجبين ، على وجه يعلمون خطأهم فيه ، فهذا من أعظم الظلم وأشنعه . [ 3 ] ثمّ ذكر وجه تعجبهم ، فقال :
أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ
( 3 ) ، فقاسوا قدرة من هو على كلّ شيء قدير ، الكامل من كلّ وجه ، بقدرة العبد الفقير العاجز . من جميع الوجوه ، وقاسوا الجاهل الذي لا علم له ، بمن هو بكل شيء عليم . [ 4 ]
قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ
، أي : من أجسادهم مدة مقامهم في البرزخ ، وقد أحصي في كتابه .
وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ
، أي : محفوظ عن التغيير والتبديل ، بكل ما يجري عليهم في حياتهم ، أو مماتهم ، وهذا الاستدلال بكمال سعة علمه - الّتي لا يحيط بها إلا هو - على قدرته على إحياء الموتى . [ 5 ] أي :
بَلْ
كلامهم الذي صدر منهم ، إنما هو عناد وتكذيب ، فقد
كَذَّبُوا بِالْحَقِّ
الذي هو أعلى أنواع الصدق
لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ
، أي : مختلط مشتبه ، لا يثبتون على شيء ، ولا يستقر لهم قرار ، فتارة يقولون عنك : إنك ساحر ، وتارة مجنون ، وتارة شاعر . وكذلك جعلوا القرآن عضين ، كل قال فيه ، ما اقتضاه رأيه الفاسد ، وهكذا كلّ من كذب بالحقّ ، فإنه في أمر مختلط ، لا يدرى له وجه ولا قرار ، فترى أموره متناقضة مؤتفكة . كما أن من اتبع الحقّ وصدق به ، قد استقام أمره ، واعتدل سبيله ، وصدق فعله قيله . [ 6 ] لما ذكر تعالى حالة المكذبين ، وما ذمهم به ، دعاهم إلى النظر في آياته الأفقية ، كي يعتبروا ، ويستدلوا بها على ما جعلت أدلة عليه ، فقال :
أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ
، أي : لا يحتاج ذلك النظر إلى كلفة وشد رحل ، بل هو في غاية السهولة . فينظروا
كَيْفَ بَنَيْناها
قبة مستوية الأرجاء ، ثابتة البناء ، مزينة بالنجوم الخنس ، والجواري الكنس ، الّتي ضربت من الأفق إلى الأفق في غاية الحسن والملاحة ، لا ترى فيها عيبا ، ولا فروجا ، ولا خلالا ، ولا إخلالا . قد جعلها اللّه سقفا لأهل الأرض ، وأودع فيها من مصالحهم الضرورية ما أودع . [ 7 - 11 ]
وَ
إلى
الْأَرْضَ مَدَدْناها
ووسعناها ، حتى أمكن كلّ حيوان السكون فيها والاستقرار ، والاستعداد لجميع مصالحه ، وأرساها بالجبال ، لتستقر من التزلزل والتموج .
وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ
، أي :