تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
ذلك ، جعل الصيام حتما على المطيق وغير المطيق ، يفطر ويقضيه في أيام أخر . وقيل :
وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ
أي : يتكلفونه ويشق عليهم مشقة غير محتملة ، كالشيخ الكبير ، فدية من كل يوم ، طعام مسكين ، وهذا هو الصحيح . [ 185 ]
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
، أي : الصوم المفروض عليكم ، هو شهر رمضان ، الشهر العظيم ، الذي حصل لكم فيه من اللّه الفضل العظيم وهو القرآن الكريم ، المشتمل على الهداية لمصالحكم الدينية والدنيوية ، وتبيين الحق بأوضح بيان ، والفرقان بين الحق والباطل ، والهدى والضلال ، وأهل السعادة ، وأهل الشقاوة . فحقيق بشهر هذا فضله ، وهذا إحسان اللّه عليكم فيه أن يكون موسما للعبادة ، ومفروضا فيه الصيام . فلمّا قرره ، وبيّن فضيلته ، وحكمة اللّه تعالى في تخصيصه ، قال :
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ
، هذا فيه تعيين الصيام على القادر الصحيح الحاضر . ولما كان النسخ للتخيير ، بين الصيام والفداء خاصة ، أعاد الرخصة للمريض والمسافر ، لئلا يتوهم أن الرخصة أيضا منسوخة ، فقال :
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
، أي : يريد اللّه تعالى أن ييسر عليكم الطرق الموصلة إلى رضوانه ، أعظم تيسير ، ويسهلها أبلغ تسهيل ، ولهذا كان جميع ما أمر اللّه به عباده في غاية السهولة في أصله . وإذا حصلت بعض العوارض الموجبة لثقله ، سهله تسهيلا آخر ، إما بإسقاطه ، أو تخفيفه بأنواع التخفيفات . وهذه جملة لا يمكن تفصيلها ، لأن تفاصيلها جميع الشرعيات ، ويدخل فيها جميع الرخص والتخفيفات .
وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ
، وهذا - واللّه أعلم - لئلا يتوهم متوهم أن صيام رمضان يحصل المقصود منه ببعضه ، دفع هذا الوهم بالأمر بتكميل عدته ، بشكر اللّه تعالى عند إتمامه على توفيقه وتسهيله وتبيينه لعباده ، وبالتكبير عند انقضائه ، ويدخل في ذلك ، التكبير عند رؤية هلال شوال ، إلى فراغ خطبة العيد . [ 186 ] هذا جواب سؤال ، سأل النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم بعض أصحابه فقالوا : يا رسول اللّه ، أقريب ربنا فنناجيه ، أم بعيد فنناديه ؟ فنزل :
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ
، لأنه تعالى ، الرقيب الشهيد ، المطلع على السر وأخفى ، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، فهو قريب أيضا من داعيه بالإجابة ، ولهذا قال :
أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ
. والدعاء نوعان : دعاء عبادة ، ودعاء مسألة . والقرب نوعان : قرب بعلمه من كل خلقه ، وقرب من عابديه وداعيه بالإجابة والمعونة والتوفيق . فمن دعا ربه بقلب حاضر ، ودعاء مشروع ، ولم يمنع مانع من إجابة الدعاء ، كأكل الحرام ونحوه ، فإن اللّه قد وعده بالإجابة ، وخصوصا إذا أتى بأسباب إجابة الدعاء ، وهي الاستجابة للّه تعالى بالانقياد لأوامره ونواهيه القولية والفعلية ، والإيمان به ، الموجب للاستجابة ، فلهذا قال :
فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ
، أي : يحصل لهم الرشد ، الذي هو الهداية للإيمان والأعمال الصالحة ، ويزول عنهم البغي المنافي للإيمان والأعمال الصالحة . [ 187 ] ولأن الإيمان باللّه والاستجابة لأمره ، سبب لحصول العلم كما قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً
.