تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 959

مساهمون:

ص٩٥٩
مغلوبون . [ 23 ] وهذه سنة اللّه في الأمم السابقة ، أن جند اللّه هم الغالبون :
وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا
. [ 24 ] يقول تعالى ممتنا على عباده بالعافية ، من شر الكفار ومن قتالهم ، فقال :
وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ
، أي : أهل مكة
عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ
، أي : من بعد ما قدرتم عليهم ، وصاروا تحت ولايتكم بلا عقد ولا عهد ، وهم نحو ثمانين رجلا ، انحدروا على المسلمين ليصيبوا منهم غرة . فوجدوا المسلمين منتبهين فأمسكوهم ، فتركوهم ، ولم يقتلوهم ، رحمة من اللّه بالمؤمنين إذ لم يقتلوهم .
وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً
فيجازي كل عامل بعمله ، ويدبركم ، أيها المؤمنون ، بتدبيره الحسن . [ 25 ] ثمّ ذكر تعالى ، الأمور المهيجة على قتال المشركين ، وهي : كفرهم باللّه ورسوله ، وصدهم رسول اللّه ومن معه من المؤمنين ، أن يأتوا للبيت الحرام زائرين معظمين له بالحج والعمرة . وهم الّذين أيضا صدوا
الْهَدْيَ مَعْكُوفاً
، أي : محبوسا
أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ
، وهو محل ذبحه في مكة ، حيث تذبح هدايا العمرة ، فمنعوه من الوصول إليه ظلما وعدوانا ، وكلّ هذه أمور موجبة ، وداعية إلى قتالهم . ولكن ثمّ مانع وهو : وجود رجال ونساء من أهل الإيمان ، بين أظهر المشركين ، وليسوا بمتميزين بمحلة ، أو مكان يمكن أن لا ينالهم أذى . فلو لا هؤلاء الرجال المؤمنون ، والنساء المؤمنات ، الّذين لا يعلمهم المسلمون أن تطئوهم ، أي : خشية أن تطئوهم
فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ
، والمعرة : ما يدخل تحت قتالهم ، من نيلهم بالأذى والمكروه . وفائدة أخروية ، وهو : أنه
لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ
فيمنّ عليهم بالإيمان بعد الكفر ، وبالهدى بعد الضلال ، فيمنعكم من قتالهم لهذا السبب .
لَوْ تَزَيَّلُوا
، أي : لو زالوا من بين أظهرهم
لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً
بأن نبيح لكم قتالهم ، ونأذن فيه ، وننصركم عليهم . [ 26 ] يقول تعالى :
إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ
حيث أنفوا من كتابة « بسم اللّه الرحمن الرحيم » وأنفوا من دخول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين إليهم في تلك السنة ، لئلا يقول الناس : « دخلوا مكة قاهرين لقريش » . وهذه الأمور ونحوها ، من أمور الجاهلية ، لم تزل في قلوبهم حتى أوجبت لهم ما أوجبت ، من كثير من المعاصي .
فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ
فلم يحملهم الغضب على مقابلة المشركين بما قابلوهم به ، بل صبروا لحكم اللّه ، والتزموا الشروط ، الّتي فيها تعظيم حرمات اللّه ولو كانت ما كانت ، ولم يبالوا بقول القائلين ، ولا بلوم اللائمين .
وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى
وهي « لا إله إلا اللّه » وحقوقها ، ألزمهم القيام بها ، فالتزموها ، وقاموا بها .
وَكانُوا أَحَقَّ بِها
من غيرهم
وَ
كانوا
أَهْلَها
الّذين استأهلوا لما يعلم اللّه عندهم ، وفي قلوبهم من الخير ، ولهذا قال :
وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً
. [ 27 ] يقول تعالى :
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ
، وذلك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رأى في المدينة رؤيا أخبر بها أصحابه ، أنهم سيدخلون مكة ، ويطوفون بالبيت . فلما جرى يوم الحديبية ما جرى ، ورجعوا من غير دخول لمكة ، كثر في ذلك الكلام منهم ، حتى إنهم قالوا ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ألم تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟ فقال :
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 959 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي