تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 958

مساهمون:

ص٩٥٨
العبد ، عن الخروج إلى الجهاد ، فقال :
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ
، أي : في التخلف عن الجهاد لعذرهم المانع .
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
في امتثال أمرهما ، واجتناب نهيهما
يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
، فيها ما تشتهيه الأنفس ، وتلذ الأعين .
وَمَنْ يَتَوَلَّ
عن طاعة اللّه ورسوله
يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً
، فالسعادة كلها في طاعة اللّه والشقاوة في معصيته ومخالفته . [ 18 ] يخبر تعالى ، بفضله ورحمته ، برضاه عن المؤمنين إذ يبايعون الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، تلك المبايعة الّتي بيضت وجوههم ، واكتسبوا بها سعادة الدنيا والآخرة . وكان سبب هذه البيعة - الّتي يقال لها : « بيعة الرضوان » لرضا اللّه عن المؤمنين فيها ، ويقال لها : « بيعة أهل الشجرة » - أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما دار الكلام بينه وبين المشركين يوم الحديبية ، في شأن مجيئه ، وأنه لم يجئ لقتال أحد ، وإنما جاء زائرا هذا البيت ، معظما له . فبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عثمان بن عفان رضي اللّه تعالى عنه لمكة في ذلك . فجاء خبر غير صادق ، أن عثمان قتله المشركون . فجمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من معه من المؤمنين ، وكانوا نحوا من ألف وخمسمائة ، فبايعوه تحت شجرة ، على قتال المشركين ، وأن لا يفروا حتى يموتوا . فأخبر تعالى أنه رضي عن المؤمنين في تلك الحال ، الّتي هي من أكبر الطاعات وأجلّ القربات
فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ
من الإيمان
فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ
شكرا لهم على ما في قلوبهم ، وزادهم هدى . وعلم ما في قلوبهم من الجزع ، من تلك الشروط الّتي شرطها المشركون على رسوله ، فأنزل عليهم السكينة ، تثبتهم ، وتطمئن بها قلوبهم
وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً
، وهو فتح خيبر ، لم يحضره سوى أهل الحديبية . فاختصّوا بخيبر وغنائمها ، جزاء لهم ، وشكرا على ما فعلوه من طاعة اللّه تعالى ، والقيام بمرضاته . [ 19 ]
وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً
( 19 ) ، أي : له العزة والقدرة ، الّتي قهر بها الأشياء ، فلو شاء لانتصر من الكفار في كلّ وقعة تكون بينهم وبين المؤمنين . ولكنه حكيم ، يبتلي بعضهم ببعض ، ويمتحن المؤمن بالكافر . [ 20 ]
وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها
وهذا يشمل كلّ غنيمة غنمها المسلمون إلى يوم القيامة .
فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ
، أي : غنيمة خيبر ، أي : فلا تحسبوها وحدها ، بل ثمّ شيء كثير من الغنائم سيتبعها .
وَ
احمدوا اللّه ، إذ
كَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ
القادرين على قتالكم ، الحريصين عليه
عَنْكُمْ
فهي نعمة ، وتخفيف عنكم .
وَلِتَكُونَ
هذه الغنيمة
آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ
يستدلون بها على خبر اللّه الصادق ، ووعده الحقّ ، وثوابه للمؤمنين ، وأن الذي قدرها ، سيقدر غيرها .
وَيَهْدِيَكُمْ
بما يقيض لكم من الأسباب
صِراطاً مُسْتَقِيماً
من العلم والإيمان والعمل . [ 21 ]
وَأُخْرى
، أي : وعدكم أيضا غنيمة أخرى
لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها
وقت هذا الخطاب .
قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها
، أي : هو قادر عليها ، وهي تحت تدبيره وملكه ، وقد وعدكموها ، فلا بد من وقوع ما وعد به ، لكمال اقتدار اللّه تعالى ، ولهذا قال :
وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً
. [ 22 ] هذه بشارة من اللّه لعباده المؤمنين ، بنصرهم على أعدائهم الكافرين ، وأنهم لو قابلوهم وقاتلوهم
لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا
يتولى أمرهم .
وَلا نَصِيراً
ينصرهم ، ويعينهم على قتالكم ، بل هم مخذولون