تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 946

مساهمون:

ص٩٤٦
به ، فقالوا :
يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ
، أي : الذي لا يدعو إلا إلى ربه ، لا يدعوكم إلى غرض من أغراضه ، ولا هوى ، وإنّما يدعوكم إلى ربكم ، ليثيبكم ، ويزيل عنكم كل شر ومكروه ، ولهذا قالوا :
وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ
، وإذا أجارهم من العذاب الأليم ، فما ثمّ بعد ذلك إلا النعيم ، فهذا جزاء من أجاب داعي اللّه . [ 32 ]
وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ
فإن اللّه على كل شيء قدير ، فلا يفوته هارب ، ولا يغالبه مغالب .
وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
، وأيّ ضلال أبلغ من ضلال من نادته الرسل ، ووصلت إليه النذر بالآيات البينات ، والحجج المتواترات ، فأعرض واستكبر ؟ [ 33 ]
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
( 33 ) هذا استدلال منه تعالى على الإعادة بعد الموت ، بما هو أبلغ منها ، وهو : أنه الذي خلق السماوات والأرض ، على عظمهما وسعتهما ، وإتقان خلقهما ، من دون أن يكترث بذلك ، ولم يعي بخلقهن . فكيف تعجزه إعادتكم بعد موتكم ، وهو على كل شيء قدير ؟ [ 34 ] يخبر تعالى عن حال الكفار الفظيعة عند عرضهم على النار الّتي كانوا يكذبون بها ، وأنهم يوبخون ، ويقال لهم :
أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ
، فقد حضرتموه وشاهدتموه عيانا ؟
قالُوا بَلى وَرَبِّنا
، فاعترفوا بذنبهم ، وتبين كذبهم .
قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
، أي : عذابا لازما دائما ، كما كان كفركم صفة لازمة . [ 35 ] ثمّ أمر تعالى رسوله ، أن يصبر على أذية المكذبين المعادين له ، وأن لا يزال داعيا لهم إلى اللّه ، وأن يقتدي بصبر أولي العزم من المرسلين ، سادات الخلق ، أولي العزائم والهمم العالية ، الذي عظم صبرهم ، وتم يقينهم ، فهم أحق الخلق بالأسوة بهم ، والقفو لآثارهم ، والاهتداء بمنارهم . فامتثل صلّى اللّه عليه وسلّم لأمر ربه ، فصبر صبرا لم يصبره نبي قبله ، حتى رماه المعاندون له عن قوس واحدة . قاموا جميعا بصده عن الدعوة إلى اللّه ، وفعلوا ما يمكنهم من المعاداة والمحاربة . وهو صلّى اللّه عليه وسلّم لم يزل صادعا بأمر اللّه ، ومقيما على جهاد أعداء اللّه ، صابرا على ما يناله من الأذى ، حتى مكّن اللّه له في الأرض ، وأظهر دينه على سائر الأديان ، وأمته على سائر الأمم ، فصلى اللّه عليه وسلّم تسليما . وقوله :
وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ
، أي : المكذبين المستعجلين للعذاب ، فإن هذا من جهلهم وحمقهم ، فلا يستخفنك جهلهم ولا يحملك ما ترى من استعجالهم على أن تدعو اللّه عليهم بذلك ، فإن كل ما هو آت قريب .
كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا
في الدنيا
إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ
، فلا يحزنك تمتعهم القليل وهم صائرون إلى العذاب الوبيل .
بَلاغٌ
، أي : هذه الدنيا ، متاعها وشهوتها ولذاتها بلغة منغصة ، ودفع وقت حاضر قليل . وهذا القرآن العظيم ، الذي بيّنّا لكم فيه البيان التام ، بلاغ لكم ، وزاد إلى الدار الآخرة . ونعم الزاد والبلغة ، زاد يوصل إلى دار النعيم ، ويعصم من العذاب الأليم ، فهو أفضل زاد يتزوده الخلائق ، وأجلّ نعمة أنعم اللّه بها عليهم .
فَهَلْ يُهْلَكُ
بالعقوبات
إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ
، أي : الّذين لا خير فيهم ، وقد خرجوا عن طاعة ربهم ، ولم يقبلوا الحقّ الذي جاءتهم به الرسل . وأعذر اللّه لهم ، وأنذرهم ، فاستمروا على تكذيبهم وكفرهم ، نسأل اللّه العصمة . تم تفسير سورة الأحقاف - بحول اللّه وتوفيقه .