تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 943

مساهمون:

ص٩٤٣
سقطت من الثلاثين شهرا ، بقي ستة أشهر ، مدة للحمل .
حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ
، أي : نهاية قوته وشبابه ، وكمال عقله ،
وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي
، أي : ألهمني ووفقني
أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ
، أي : نعم الدين ، ونعم الدنيا . وشكره ، بصرف النعم في طاعة مسديها وموليها ، ومقابلته على منّته ، بالاعتراف والعجز عن الشكر ، والاجتهاد في الثناء بها على اللّه ، والنعم على الوالدين ، نعم على أولادهم وذريتهم ، أنهم لا بد أن ينالهم منها ومن أسبابها وآثارها ، خصوصا نعم الدين ، فإن صلاح الوالدين بالعلم والعمل ، من أعظم الأسباب لصلاح أولادهم .
وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ
بأن يكون جامعا لما يصلحه ، سالما مما يفسده ، فهذا العمل الذي يرضاه اللّه ويقبله ، ويثيب عليه .
وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي
لما دعا لنفسه بالصلاح ، دعا لذريته أن يصلح اللّه أحوالهم ، وذكر أن صلاحهم يعود نفعه على والديهم ، لقوله :
وَأَصْلِحْ لِي
.
إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ
من الذنوب والمعاصي ، ورجعت إلى طاعتك
وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ
. [ 16 ]
أُولئِكَ
الّذين ذكرت أوصافهم
الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا
وهو الطاعات ، لأنهم يعملون أيضا غيرها .
وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي
في جملة
أَصْحابِ الْجَنَّةِ
، فحصل لهم الخير والمحبوب ، وزال عنهم الشر والمكروه .
وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ
، أي : هذا الوعد الذي وعدناهم هو وعد من أصدق القائلين ، الذي لا يخلف الميعاد . [ 17 ] لما ذكر تعالى حال الصالح البار لوالديه ، ذكر حال العاق ، وأنها شر الحالات ، فقال :
وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ
إذ دعواه إلى الإيمان باللّه واليوم الآخر ، وخوفاه الجزاء . وهذا أعظم إحسان يصدر من الوالدين لولدهما ، أن يدعواه إلى ما فيه سعادته الأبدية ، وفلاحه السرمدي ، فقابلهما بأقبح مقابلة ، فقال :
أُفٍّ لَكُما
، أي : تبّا لكما ولما جئتما به . ثمّ ذكر استبعاده وإنكاره لذلك فقال :
أَ تَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ
من قبري إلى يوم القيامة
وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي
على التكذيب ، وسلفوا على الكفر ، وهم الأئمة المقتدى بهم لكل كفور ، وجهول ، ومعاند ؟
وَهُما
، أي : والده
يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ
عليه ويقولان له :
وَيْلَكَ آمِنْ
، أي : يبذلان غاية جهدهما ، ويسعيان في هدايته ، أشد السعي ، حتى إنهما - من حرصهما عليه - يستغيثان اللّه له ، استغاثة الغريق ويسألانه ، سؤال الشريق ، ويعذلان ولدهما ، ويتوجعان له ، ويبينان له الحقّ ، فيقولان :
إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ
، ثمّ يقيمان عليه من الأدلة ما أمكنهما . وولدهما لا يزداد إلا عتوا ونفورا ، واستكبارا عن الحقّ ، وقدحا فيه ،
فَيَقُولُ ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
، أي : إلا منقول من كتب المتقدمين ، ليس من عند اللّه ، ولا أوحاه اللّه إلى رسوله . وكل أحد يعلم أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم أمّيّ لا يكتب ولا يقرأ ، ولم يتعلم من أحد . فمن أين يتعلّمه ؟ وأنّى للخلق أن يأتوا بمثل هذا القرآن ، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ؟ [ 18 ]
أُولئِكَ الَّذِينَ
بهذه الحالة الذميمة
حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ
، أي : حقت عليهم كلمة العذاب
فِي
جملة
أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
على الكفر والتكذيب ، فسيدخل هؤلاء في غمارهم ، ويغرقون في تيارهم .
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 943 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي