تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 940

مساهمون:

ص٩٤٠

سورة الأحقاف

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[ 2 ] هذا ثناء منه تعالى على كتابه العزيز وتعظيم له ، وفي ضمن ذلك إرشاد العباد إلى الاهتداء بنوره ، والإقبال على تدبر آياته ، واستخراج كنوزه . ولما بين إنزال كتابه المتضمن للأمر والنهي ، ذكر خلقه السماوات والأرض ، فجمع بين الخلق والأمر
أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
، كما قال تعالى :
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ
، وكما قال تعالى :
* يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ ( 2 ) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ
. فاللّه تعالى ، هو الذي خلق المكلفين ، وخلق مساكنهم ، وسخر لهم ما في السماوات وما في الأرض ، ثمّ أرسل إليهم رسله ، وأنزل عليهم كتبه ، وأمرهم ونهاهم ، وأخبرهم أن هذه الدار دار أعمال وممر للعمال ، لا دار إقامة ، لا يرحل عنها أهلها . وهم سينتقلون منها إلى دار الإقامة والقرار ، وموطن الخلود والدوام ، وإنّما أعمالهم الّتي عملوها في هذه الدار ، سيجدون ثوابها في تلك الدار كاملا موفورا . [ 3 ] وأقام تعالى الأدلة على تلك الدار وأذاق العباد نموذجا من الثواب والعقاب العاجل ، ليكون أدعى لهم إلى طلب المحبوب ، والهرب من المرهوب ، ولهذا قال هنا :
ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ
، أي : لا عبثا ، ولا سدى ، بل ليعرف العباد عظمة خالقها ، ويستدلوا على كماله ، ويعلموا أن الذي خلقهما ، قادر على أن يعيد العباد بعد موتهم للجزاء ، وأن خلقهما وبقاءهما ، مقدر إلى ساعة معينة
وَأَجَلٍ مُسَمًّى
. فلما أخبر بذلك - وهو أصدق القائلين - وأقام الدليل ، وأنار السبيل ، أخبر - مع ذلك - أن طائفة من الخلق قد أبوا إلا إعراضا عن الحقّ ، وصدوفا عن دعوة الرسل ، فقال :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ
. وأما الّذين آمنوا ، فلما علموا حقيقة الحال قبلوا وصايا ربهم ، وتلقوها بالقبول والتسليم ، وقابلوها بالانقياد والتعظيم ، ففازوا بكل خير ، واندفع عنهم كل شر . [ 4 ] أي :
قُلْ
لهؤلاء الّذين أشركوا باللّه ، أوثانا وأندادا ، لا تملك نفعا ولا ضرا ، ولا موتا ولا حياة ، ولا نشورا . قل لهم - مبينا عجز أوثانهم ، وأنها لا تستحق شيئا من العبادة - :
أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ
. هل خلقوا من أجرام السماوات شيئا ؟ هل خلقوا جبالا ؟ هل أجروا أنهارا ؟ هل نشروا حيوانا ؟ هل أنبتوا أشجارا ؟ هل كان منهم معاونة على خلق شيء من ذلك ؟ لا شيء من ذلك ، بإقرارهم على أنفسهم ، فضلا عن غيرهم ، فهذا دليل عقلي قاطع على أن كل من سوى اللّه ، فعبادته باطلة . ثمّ ذكر انتفاء الدليل النقلي ، فقال :
ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا
الكتاب يدعو إلى الشرك ،
أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ
موروث عن الرسل يأمر بذلك . من المعلوم أنهم عاجزون أن يأتوا عن أحد من الرسل بدليل يدل على ذلك ، بل نجزم ونتيقن أن جميع الرسل دعوا إلى توحيد ربهم ، ونهوا عن الشرك به . وهي أعظم ما يؤثر عنهم من العلم ، قال تعالى :
وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ