تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 945

مساهمون:

ص٩٤٥
خاوية
بِأَمْرِ رَبِّها
، أي : بإذنه ومشيئته .
فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ
قد تلفت مواشيهم وأموالهم وأنفسهم .
كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ
بسبب جرمهم وظلمهم . [ 26 ] هذا مع أن اللّه قد أدرّ عليهم النعم العظيمة ، فلم يشكروه ، ولا ذكروه ، ولهذا قال :
وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ
، أي : مكناهم في الأرض ، ينالون طيباتها ، ويتمتعون بشهواتها ، وعمرناهم عمرا ، يتذكر فيه من تذكر ، ويتعظ فيه المهتدي ، أي : ولقد مكنا عادا ، كما مكناكم يا هؤلاء المخاطبون ، أي : فلا تحسبوا أن ما مكناكم فيه مختص بكم ، وأنه سيدفع عنكم من عذاب اللّه شيئا ، بل غيركم أعظم منكم تمكينا ، فلم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم ، ولا جنودهم من اللّه شيئا .
وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً
، أي : لا قصور في أسماعهم ، ولا أبصارهم ، ولا أذهانهم ، حتى يقال : إنهم تركوا الحقّ جهلا منهم ، وعدم تمكن من العلم به ، ولا خلل في عقولهم ، ولكن التوفيق بيد اللّه .
فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ
لا قليل ولا كثير .
إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ
الدالة على توحيده وإفراده بالعبادة .
وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
، أي : نزل بهم العذاب ، الذي يكذبون بوقوعه ، ويستهزءون بالرسل الّذين حذروهم منه . [ 27 - 28 ] يحذر تعالى مشركي العرب وغيرهم ، بإهلاك الأمم المكذبين ، الّذين هم حول ديارهم ، بل كثير منهم في جزيرة العرب ، كعاد وثمود ونحوهم ، وأن اللّه تعالى صرّف لهم الآيات ، أي : نوّعها من كل وجه .
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
عما هم عليه من الكفر والتكذيب . فلما لم يؤمنوا أخذهم اللّه أخذ عزيز مقتدر ، ولم تنفعهم آلهتهم الّتي يدعون من دون اللّه من شيء ، ولهذا قال هنا :
فَلَوْ لا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً
، أي : يتقربون إليهم ، ويتألهونهم لرجاء نفعهم .
بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ
فلم يجيبوهم ولا دفعوا عنهم
وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ
من الكذب ، الذي يمنون به أنفسهم ، حيث يزعمون أنهم على الحقّ ، وأن أعمالهم ستنفعهم ، فضلت وبطلت . [ 29 ] كان اللّه تعالى قد أرسل رسوله محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الخلق ، إنسهم وجنهم ، وكان لا بد من إبلاغ الجميع لدعوة النبوة والرسالة . فالإنس يمكنه ، عليه الصلاة والسّلام ، دعوتهم وإنذارهم ، وأما الجن ، فصرفهم اللّه إليه بقدرته ، وأرسل إليه
نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا
، وصّى بعضهم بعضا بذلك .
فَلَمَّا قُضِيَ
وقد وعوه ، وأثّر ذلك فيهم
وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ
نصحا منهم لهم ، وإقامة للحجة عليهم ، وقيضهم اللّه ، معونة لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم في نشر دعوته في الجن . [ 30 ]
قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى
لأن كتاب موسى أصل للإنجيل ، وعمدة لبني إسرائيل في أحكام الشرع ، وإنّما الإنجيل متمم ومكمل ومغير لبعض الأحكام .
مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي
، هذا الكتاب الذي سمعناه
إِلَى الْحَقِّ
وهو : الصواب في كل مطلوب وخبر
وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ
موصل إلى اللّه ، وإلى جنته ، من العلم باللّه ، وبأحكامه الدينية ، وأحكام الجزاء . [ 31 ] فلما مدحوا القرآن وبينوا محله ومرتبته ، دعوهم إلى الإيمان