تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 942

مساهمون:

ص٩٤٢
أعذر . [ 10 ]
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ
، أي : أخبروني ، لو كان هذا القرآن من عند اللّه ، وشهد على صحته الموفقون من أهل الكتاب ، الّذين عندهم من الحقّ ما يعرفون أنه الحقّ ، فآمنوا به واهتدوا ، فتطابقت أنباء الأنبياء وأتباعهم النبلاء ، واستكبرتم ، أيها الجهلاء الأغبياء ، فهل هذا إلا أعظم الظلم وأشد الكفر ؟
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ *
، ومن الظلم الاستكبار عن الحقّ بعد التمكن منه . [ 11 ] أي : قال الكفار بالحق معاندين له ، ورادّين لدعوته :
لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ
، أي : ما سبقنا إليه المؤمنون ، وكنا أول مبادر به ، وسابق إليه ، وهذا من البهرجة في مكان . فأيّ دليل يدل على أن علامة الحقّ سبق المكذبين به للمؤمنين ؟ هل هم أزكى نفوسا ؟ أم أكمل عقولا ؟ أم الهدى بأيديهم ؟ ولكن هذا الكلام الذي صدر منهم ، يعزون به أنفسهم بمنزلة من لم يقدر على الشيء ، ثمّ طفق يذمه ، ولهذا قال :
وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ
، أي : هذا السبب الذي دعاهم إليه ، أنهم لما لم يهتدوا بهذا القرآن ، وفاتهم أعظم المواهب ، وأجل الرغائب ، قدحوا فيه ، بأنه كذب ، وهو الحقّ الذي لا شك فيه ، ولا امتراء يعتريه . [ 12 ]
وَ
قد وافق الكتب السماوية
مِنْ قَبْلِهِ
خصوصا ، أكملها وأفضلها بعد القرآن ، وهي التوراة
كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً
، أي : يقتدي بها بنو إسرائيل ، ويهتدون بها ، ويحصل لهم خير الدنيا والآخرة .
وَهذا
القرآن
كِتابٌ مُصَدِّقٌ
للكتب السابقة ، شهد بصدقها ، وصدّقها ، بموافقته لها ، وجعله اللّه
لِساناً عَرَبِيًّا
ليسهل تناوله ، ويتيسر تذكّره .
لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا
أنفسهم بالكفر والفسوق والعصيان ، إن استمروا على ظلمهم بالعذاب الوبيل .
وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ
في عبادة الخالق ، وفي نفع المخلوقين ، بالثواب الجزيل ، وفي الدنيا والآخرة ، ويذكر الأعمال الّتي ينذر عنها ، والأعمال الّتي يبشر بها . [ 13 ] أي : إن الّذين أقروا بربهم ، وشهدوا له بالوحدانية ، والتزموا طاعته وداموا على ذلك
ثُمَّ اسْتَقامُوا
مدة حياتهم
فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
من كل شر أمامهم
وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
على ما خلّفوا وراءهم . [ 14 ]
أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ
، أي : أهلها الملازمون لها ، الّذين لا يبغون عنها حولا ، ولا يريدون بها بدلا .
خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
من الإيمان باللّه ، المقتضي للأعمال الصالحة الّتي استقاموا عليها . [ 15 ] هذا من لطفه تعالى بعباده ، وشكره للوالدين أن وصّى الأولاد وعهد إليهم أن يحسنوا إلى والديهم بالقول اللطيف ، والكلام اللين ، وبذل المال والنفقة ، وغير ذلك ، من وجوه الإحسان . ثمّ نبّه على ذكر السبب الموجب لذلك ، فذكر ما تحملته الأم من ولدها وما قاسته من المكاره وقت حملها ، ثمّ مشقة ولادتها ، المشقة الكبيرة ، ثمّ مشقة الرضاع وخدمة الحضانة . وليست المذكورات مدة يسيرة ، ساعة أو ساعتين ، وإنّما ذلك ، أي :
حَمْلُهُ وَفِصالُهُ
مدة طويلة قدرها
ثَلاثُونَ شَهْراً
: الحمل تسعة أشهر ونحوها ، والباقي للرضاع ، هذا هو الغالب . ويستدل بهذه الآية مع قوله :
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ
أن أقل مدة الحمل ستة أشهر ، لأن مدة الرضاع - وهي سنتان - إذا