تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 939

مساهمون:

ص٩٣٩
[ 30 ] ولهذا فصل ما يفعل اللّه بالفريقين فقال :
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
إيمانا صحيحا ، وصدقوا إيمانهم بالأعمال الصالحة ، من واجبات ومستحبات
فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ
الّتي محلها الجنة ، وما فيها من النعيم المقيم ، والعيش السليم .
ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ
، أي : المفاز والنجاة والربح ، والفلاح الواضح البيّن الذي إذا حصل للعبد ، حصل له كل خير ، واندفع عنه كل شر . [ 31 ]
وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا
باللّه ، فيقال لهم توبيخا وتقريعا :
أَ فَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ
وقد دلتكم على ما فيه صلاحكم ، ونهتكم عما فيه ضرركم ، وهي أكبر نعمة وصلت إليكم ، لو وفقتم لها .
فَاسْتَكْبَرْتُمْ
عنها ، وأعرضتم ، وكفرتم بها ، فجنيتم أكبر جناية ، وأجرمتم أشد الجرم ، فاليوم تجزون ما كنتم تعملون . [ 32 ] ويوبخون أيضا بقوله :
وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ
منكرين لذلك :
ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ
. [ 33 ] فهذه حالهم في الدنيا ، وحال البعث الإنكار له ، وردوا قول من جاء به ، قال تعالى :
وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا
، أي : وظهر لهم يوم القيامة عقوبات أعمالهم .
وَحاقَ بِهِمْ
، أي : نزل
ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
، أي : نزل بهم العذاب ، الذي كانوا في الدنيا ، يستهزءون بوقوعه ، وبمن جاء به . [ 34 ]
وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ
، أي : نترككم في العذاب
كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا
، فإن الجزاء من جنس العمل
وَمَأْواكُمُ النَّارُ
، أي : هي مقركم ومصيركم .
وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ
ينصرونكم من عذاب اللّه ، ويدفعون عنكم عقابه . [ 35 ]
ذلِكُمْ
الذي حصل لكم من العذاب ( ب ) سبب أنكم
اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُواً
مع أنها موجبة للجد والاجتهاد ، وتلقيها بالسرور والاستبشار والفرح .
وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا
بزخارفها ولذاتها وشهواتها ، فاطمأننتم إليها ، وعملتم لها ، وتركتم العمل للدار الباقية .
فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ
، أي : ولا يمهلون ، ولا يردون إلى الدنيا ليعملوا صالحا . [ 36 ]
فَلِلَّهِ الْحَمْدُ
كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه
رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ
، أي : له الحمد على ربوبيته لسائر الخلق ، حيث خلقهم ورباهم ، وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة . [ 37 ]
وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
، أي : له الجلال والعظمة والمجد . فالحمد فيه الثناء على اللّه بصفات الكمال ، ومحبته تعالى وإكرامه ، والكبرياء فيها عظمته وجلاله ، والعبادة مبنية على ركنين ، محبة اللّه ، والذل له ، وهما ناشئان عن العلم بمحامد اللّه وجلاله وكبريائه .
وَهُوَ الْعَزِيزُ
القاهر لكل شيء ،
الْحَكِيمُ
الذي يضع الأشياء مواضعها ، فلا يشرع ما يشرعه إلا لحكمة ومصلحة ، ولا يخلق ما يخلقه إلا لفائدة ومنفعة .