تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 924

مساهمون:

ص٩٢٤
اشتراككم في العذاب ، أنتم وقرناؤكم ، وأخلاؤكم . وذلك لأنكم اشتركتم في الظلم ، فاشتركتم في عقابه وعذابه . ولن ينفعكم أيضا ، روح التسلي في المصيبة فإن المصيبة إذا وقعت في الدنيا ، واشترك فيها المعاقبون ، هان عليهم بعض الهون ، وتسلّى بعضهم ببعض . وأما مصيبة الآخرة ، فإنها جمعت كل عقاب ، ما فيه أدنى راحة ، حتى ولا هذه الراحة . نسألك يا ربنا العافية ، وأن تريحنا برحمتك . [ 40 ] يقول تعالى لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، مسليا له عن امتناع المكذبين عن الاستجابة له ، وأنهم لا خير فيهم ، ولا فيهم زكاء يدعوهم إلى الهدى :
أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ
أي : الّذين لا يسمعون
أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ
الّذين لا يبصرون .
وَ
تهدي
مَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
أي : بيّن واضح ، لعلمه بضلاله ، ورضاه به . فكما أن الأصم لا يسمع الأصوات ، والأعمى لا يبصر ، والضال ضلالا مبينا لا يهتدي . فهؤلاء قد فسدت فطرهم وعقولهم ، بإعراضهم عن الذكر ، واستحدثوا عقائد فاسدة ، وصفات خبيثة ، تمنعهم وتحول بينهم وبين الهدى ، وتوجب لهم الازدياد من الردى . فهؤلاء لم يبق إلّا عذابهم ونكالهم ، إما في الدنيا ، أو في الآخرة ، ولهذا قال تعالى : [ 41 ]
فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ
( 41 ) أي : فإن ذهبنا بك قبل أن نريك ما نعدهم من العذاب ، فاعلم بخبرنا الصادق ، أنّا منهم منتقمون . [ 42 ]
أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ
من العذاب
فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ
ولكن ذلك متوقف على اقتضاء الحكمة لتعجيله أو تأخيره . فهذه حالك ، وحال هؤلاء المكذبين . [ 43 ] وأما أنت
فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ
فعلا واتصافا ، بما يأمر بالاتصاف به ودعوة إليه ، وحرصا على تنفيذه بنفسك وفي غيرك .
إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
موصل إلى اللّه وإلى دار كرامته . وهذا مما يوجب عليك زيادة التمسك به والاهتداء . إذا علمت أنه حق ، وعدل ، وصدق ، تكون بانيا على أصل أصيل ، إذا بنى غيرك على الشوك والأوهام ، والظلم والجور . [ 44 ]
وَإِنَّهُ
أي : هذا القرآن الكريم
لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ
أي : فخر لكم ، ومنقبة جليلة ، ونعمة لا يقادر قدرها ، ولا يعرف وصفها ، ويذكركم أيضا ما فيه من الخير الدنيوي والأخروي ، ويحثكم عليه ، ويذكركم الشر ويرهبكم عنه .
وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ
عنه ، هل قمتم به فارتفعتم وانتفعتم ، أم لم تقوموا به ؟ فيكون حجة عليكم ، وكفرا منكم بهذه النعمة . [ 45 ]
وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ
( 45 ) حتى يكون للمشركين نوع حجة ، يتبعون فيها أحدا من الرسل . فإنك لو سألتهم ، واستخبرت عن أحوالهم ، لم تجد أحدا منهم يدعو إلى اتخاذ إله آخر مع اللّه ، وأن كل الرسل ، من أولهم إلى آخرهم ، يدعون إلى عبادة اللّه ، وحده لا شريك له . قال تعالى :
وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ
وكل رسول بعثه اللّه ، يقول لقومه : اعبدوا اللّه ما لكم من إله غيره . فدل هذا ، أن المشركين ليس لهم مستند في شركهم ، لا من عقل صحيح ، ولا نقل عن الرسل . [ 46 ] لما قال تعالى :
وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ
( 45 ) بيّن تعالى حال موسى ودعوته ، الّتي هي أشهر ما يكون من دعوات الرسل ، ولأن اللّه تعالى ، أكثر من ذكرها في كتابه ، فذكر حاله