تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 921

مساهمون:

ص٩٢١
الْخِصامِ
أي : عند الخصام ، الموجب لإظهار ما عند الشخص من الكلام
غَيْرُ مُبِينٍ
أي : غير مبين لحجته ، ولا مفصح عمّا احتوى عليه ضميره ، فكيف ينسبونهن للّه تعالى ؟ [ 19 ] ومنها : أنهم
جَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً
فتجرءوا على الملائكة ، العباد المقربين ، ورقوهم عن مرتبة العبادة والذل ، إلى مرتبة المشاركة للّه ، في شيء من خواصه ، ثمّ نزلوا بهم عن مرتبة الذكورية ، إلى مرتبة الأنوثية . فسبحان من أظهر تناقض من كذب عليه ، وعاند رسله . ومنها : أن اللّه رد عليهم بأنهم لم يشهدوا خلق اللّه لملائكته . فكيف يتكلمون بأمر غير المعلوم عند كل أحد ، أنه ليس لهم به علم ؟ ولكن لا بد أن يسألوا عن هذه الشهادة ، وستكتب عليهم ، ويعاقبون عليها . [ 20 ] وقوله تعالى :
وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ
فاحتجوا على عبادتهم الملائكة بالمشيئة ، وهي حجة لم يزل المشركون يطرقونها ، وهي حجة باطلة في نفسها ، عقلا ، وشرعا . فكل عاقل ، لا يقبل الاحتجاج بالقدر ، ولو سلكه في حالة من أحواله ، لم يثبت عليها قدمه . وأما شرعا ، فإن اللّه تعالى أبطل الاحتجاج به ، ولم يذكره عن غير المشركين به ، المكذبين لرسله ، فإن اللّه تعالى قد أقام الحجة أصلا ، ولهذا قال هنا :
ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ
أي : يتخرصون تخرصا لا دليل عليه ، ويتخبطون خبط عشواء . [ 21 ] ثمّ قال :
أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ
( 21 ) يخبرهم بصحة أفعالهم ، وصدق أقوالهم ؟ ليس الأمر كذلك ، فإن اللّه أرسل محمدا نذيرا إليهم ، وهم لم يأتهم نذير غيره . أي : فلا عقل ، ولا نقل ، وإذا انتفى الأمران ، فلا ثمّ إلّا الباطل . [ 22 ] نعم لهم شبهة من أوهى الشّبه ، وهي : تقليد آبائهم الضالين ، الّذين ما زال الكفرة يردون بتقليدهم دعوة الرسل ، ولهذا قال هنا :
بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ
أي : على دين وملة
وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ
أي : فلا نتبع ما جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلم . [ 23 ]
وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها
أي : منعموها ، وملؤها الّذين أطغتهم الدنيا ، وغرتهم الأموال ، واستكبروا على الحقّ .
إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ
أي : فهؤلاء ليسوا ببدع منهم ، وليسوا بأول من قال هذه المقالة . وهذا الاحتجاج ، من هؤلاء المشركين الضالين ، بتقليدهم لآبائهم الضالين ، ليس المقصود به ، اتباع الحقّ والهدى ، وإنّما هو تعصب محض ، يراد به نصرة ما معهم من الباطل . [ 24 ] ولهذا كل رسول يقول لمن عارضه بهذه الشبهة الباطلة
أَ وَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ
أي : أفتتبعوني لأجل الهدى .
قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ
يعلم بهذا ، أنهم ما أرادوا اتباع الحقّ والهدى . وإنّما قصدهم ، اتباع الباطل والهوى . [ 25 ]
فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ
بتكذيبهم الحقّ ، وردهم إياه ، بهذه الشبهة الباطلة .
فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
فليحذر هؤلاء ، أن يستمروا على تكذيبهم ، فيصيبهم ما أصابهم .
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 921 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي