تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 925

مساهمون:

ص٩٢٥
مع فرعون .
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا
الّتي دلت دلالة قاطعة على صحة ما جاء به ، كالعصا ، والحية ، وإرسال الجراد ، والقمل ، إلى آخر الآيات .
إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ
فدعاهم إلى الإقرار بربهم ، ونهاهم عن عبادة ما سواه . [ 47 ]
فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ
( 47 ) أي : ردوها وأنكروها ، واستهزءوا بها ، ظلما وعلوا . [ 48 ] فلم يكن لقصور بالآيات وعدم وضوح فيها ، ولهذا قال :
وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها
أي : الآية المتأخرة أعظم من السابقة
وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ
كالجراد ، والقمل والضفادع ، والدم ، آيات مفصلات .
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
إلى الإسلام ، ويذعنون له ، ليزول شركهم وشرهم . [ 49 ]
وَقالُوا
عندما نزل عليهم العذاب :
يا أَيُّهَا السَّاحِرُ
يعنون موسى عليه السّلام . وهذا ، إما من باب التهكم به ، وإما أن يكون هذا الخطاب عندهم ، مدحا ، فتضرعوا إليه بأن خاطبوه ، بما يخاطبون من يزعمون أنهم علماؤهم ، وهم السحرة فقالوا :
يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ
أي : بما خصك اللّه به ، وفضلّك به ، من الفضائل والمناقب ، أن يكشف عنّا العذاب
إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ
إن كشف اللّه عنّا ذلك . [ 50 ]
فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ
( 50 ) أي : لم يفوا بما قالوا ، بل غدروا ، واستمروا على كفرهم . وهذا كقوله تعالى :
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ ( 133 ) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ ( 134 ) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ
( 135 ) . [ 51 ]
وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ
مستعليا بباطله ، قد غره ملكه ، وأطغاه ماله وجنوده :
يا قَوْمِ أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ
أي : ألست المالك لذلك ، المتصرف فيه .
وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي
أي : الأنهار المنسحبة من النيل ، في وسط القصور والبساتين .
أَ فَلا تُبْصِرُونَ
هذا الملك الطويل العريض . وهذا من جهله البليغ ، حيث افتخر بأمر خارج عن ذاته ، ولم يفخر بأوصاف حميدة ، ولا أفعال سديدة . [ 52 ]
أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ
يعني قبحه اللّه - بالمهين ، موسى بن عمران ، كليم الرحمن ، الوجيه عند اللّه . أي : أنا العزيز ، وهو الذليل المهان المحتقر ، فأيّنا خير ؟
وَ
مع هذا فإنه
لا يَكادُ يُبِينُ
عمّا في ضميره بالكلام ، لأنه ليس بفصيح اللسان . وهذا ليس من العيوب في شيء ، إذا كان يبين ما في قلبه ، ولو كان الكلام ثقيلا عليه . [ 53 ] ثمّ قال فرعون :
فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ
أي : فهلّا كان موسى بهذه الحالة ، أن يكون مزينا مجملا بالحلي والأساور ؟
أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ
يعاونونه على دعوته ، ويؤيدونه على قوله . [ 54 ]
فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ
أي : استخف فرعون عقولهم ، بما أبدى لهم من هذه الشبه ، الّتي لا تسمن ولا تغني من جوع ، ولا حقيقة تحتها ، وليست دليلا على حق ولا على باطل ، ولا تروج إلّا على ضعفاء العقول . فأي دليل ، يدل على أن فرعون محق ، في كون ملك مصر له ، وأنهارها تجري من تحته ؟ وأي دليل يدل على بطلان ما جاء به موسى ، لقلة أتباعه ، وثقل لسانه ، وعدم تحلية أمه له بأساور من ذهب ؟ ولكن فرعون لقي ملأ لا معقول عندهم ،