تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 923

مساهمون:

ص٩٢٣
صلّى اللّه عليه وسلّم ، هو أعظم الرجال قدرا ، وأعلاهم فخرا ، وأكملهم عقلا ، وأغزرهم علما ، وأجلهم رأيا ، وعزما ، وحزما وأكملهم خلقا ، وأوسعهم رحمة ، وأشدهم شفقة ، وأهداهم وأتقاهم . وهو قطب دائرة الكمال ، وإليه المنتهى في أوصاف الرجال ، ألا وهو رجل العالم على الإطلاق . يعرف ذلك أولياؤه وأعداؤه ، إلا من ضل وكابر . فكيف يفضل عليه المشركون من لم يشم مثقال ذرة من كماله ؟ ومن جرمه ومنتهى حمقه ، أن جعل إلهه الذي يعبده ، ويدعوه ، ويتقرب إليه ، صنما ، أو شجرا ، أو حجرا ، لا يضر ولا ينفع ، ولا يعطي ولا يمنع ، وهو كلّ على مولاه ، يحتاج لمن يقوم بمصالحه . فهل هذا ، إلّا من فعل السفهاء والمجانين ؟ فكيف يجعل مثل هذا عظيما ؟ أم كيف يفضل على خاتم الرسل وسيد ولد آدم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ ولكن الذين كفروا لا يعقلون . وفي هذه الآية تنبيه على حكمة اللّه تعالى ، في تفضيل اللّه بعض العباد على بعض في الدنيا
لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا
أي : ليسخر بعضهم بعضا ، في الأعمال والحرف ، والصنائع . فلو تساوى الناس في الغنى ، ولم يحتج بعضهم إلى بعض ، لتعطل كثير من مصالحهم ومنافعهم . وفيها دليل على أن نعمته الدينية ، خير من النعمة الدنيوية كما قال تعالى في الآية الأخرى :
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
( 58 ) . [ 33 ] يخبر تعالى بأن الدنيا لا تسوى عنده شيئا ، وأنه لولا لطفه ورحمته بعباده ، الّتي لا يقدم عليها شيئا ، لوسّع الدنيا على الّذين كفروا ، توسيعا عظيما ، ولجعل :
لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ
أي : درجا من فضة .
عَلَيْها يَظْهَرُونَ
إلى سطوحهم . [ 34 - 35 ]
وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ
( 34 ) من فضة ، ولجعل لهم زخرفا ، أي : لزخرف لهم دنياهم بأنواع الزخارف ، وأعطاهم ما يشتهون . ولكن منعه من ذلك رحمته بعباده خوفا عليهم من التسارع في الكفر وكثرة المعاصي ، بسبب حب الدنيا ، ففي هذا دليل على أنه يمنع العباد بعض أمور الدنيا منعا عاما أو خاصا لمصالحهم . وأن الدنيا لا تزن عند اللّه جناح بعوضة ، وأن كل هذه المذكورات متاع الحياة الدنيا ، منغصة ، مكدرة ، فانية ، وأن الآخرة عند اللّه تعالى خير للمتقين لربهم بامتثال أوامره ، واجتناب نواهيه . لأن نعيمها تام كامل من كل وجه ، وفي الجنة ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ، وهم فيها خالدون . فما أشد الفرق بين الدارين ! ! [ 36 ] يخبر تعالى عن عقوبته البليغة ، لمن أعرض عن ذكره فقال :
وَمَنْ يَعْشُ
أي : يعرض ويصد
عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ
الذي هو القرآن العظيم ، الذي هو أعظم رحمة رحم بها الرحمن عباده . فمن قبلها ، فقد قبل خير المواهب ، وفاز بأعظم المطالب والرغائب . ومن أعرض عنها وردها ، فقد خاب وخسر خسارة ، لا يسعد بعدها أبدا ، وقيّض له الرحمن شيطانا مريدا ، يقارنه ، ويصاحبه ، ويعده ، ويمنيه ، ويؤزه إلى المعاصي أزا . [ 37 ]
وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ
أي : الصراط المستقيم ، والدين القويم .
وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ
بسبب تزيين الشيطان للباطل ، وتحسينه له ، وإعراضهم عن الحقّ ، فاجتمع هذا وهذا . فإن قيل : فهل لهذا من عذر ، من حيث إنه ظن أنه مهتد ، وليس كذلك ؟ قيل : لا عذر لهذا وأمثاله ، الّذين مصدر جهلهم ، الإعراض عن ذكر اللّه ، مع تمكنهم من الاهتداء . فزهدوا في الهدى ، مع القدرة عليه ، ورغبوا في الباطل ، فالذنب ذنبهم ، والجرم جرمهم . فهذه حالة هذا المعرض عن ذكر اللّه في الدنيا ، مع قرينه ، وهي الضلال والغيّ ، وانقلاب الحقائق . وأما حاله ، إذا جاء ربه في الآخرة ، فهو شر الأحوال ، وهو : الندم والتحسر ، والحزن الذي لا يجبر مصابه ، والتبرّي من قرينه ، ولهذا قال تعالى : [ 38 ]
حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ
( 38 ) . كما في قوله تعالى :
وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ( 27 ) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا ( 28 ) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا
( 29 ) . [ 39 ] وقوله تعالى :
وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ
( 39 ) أي : ولا ينفعكم يوم القيامة ،