تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 922

مساهمون:

ص٩٢٢
[ 26 - 27 ] يخبر تعالى عن ملة إبراهيم الخليل عليه السّلام ، الذي ينتسب إليه أهل الكتاب والمشركون ، وكلهم يزعم أنه على طريقته . فأخبر عن دينه الذي ورثه في ذريته فقال :
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ
الّذين اتخذوا من دون اللّه آلهة يعبدونهم ، ويتقربون إليهم :
إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ
أي : مبغض له ، مجتنب معاد لأهله
إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي
فإني أتولاه ، وأرجو أن يهديني للعلم بالحق ، والعمل بالحق . فكما فطرني ودبرني بما يصلح بدني ودنياي
فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ
لما يصلح ديني وآخرتي . [ 28 ]
وَجَعَلَها
أي : هذه الخصلة الحميدة ، الّتي هي أم الخصال وأساسها ، وهي إخلاص العبادة للّه وحده ، والتبرّي من عبادة ما سواه .
كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ
أي : في ذريته
لَعَلَّهُمْ
إليها
يَرْجِعُونَ
لشهرتها عنه ، وتوصيته لذريته ، وتوصية بعض بنيه - كإسحاق ويعقوب - لبعض ، كما قال تعالى :
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ
إلى آخر الآيات . فلم تزل هذه الكلمة موجودة في ذريته عليه السّلام ، حتى دخلهم الترف والطغيان . [ 29 ] فقال تعالى :
بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ
بأنواع الشهوات ، حتى صارت هي غايتهم ، ونهاية مقصودهم ، فلم تزل يتربى حبها في قلوبهم ، حتى صارت صفات راسخة ، وعقائد متأصلة .
حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ
الذي لا شك فيه ، ولا مرية ولا اشتباه .
وَرَسُولٌ مُبِينٌ
أي : بين الرسالة ، قامت أدلة رسالته ، قياما باهرا ، بأخلاقه ، ومعجزاته ، وبما جاء به ، وبما صدق به المرسلين ، وبنفس دعوته صلّى اللّه عليه وسلم . [ 30 ]
وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ
الذي يوجب على من له أدنى دين ومعقول ، أن يقبله وينقاد له .
قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ
وهذا من أعظم المعاندة والمشاقة . فإنهم لم يكتفوا بمجرد الإعراض عنه ، بل ولا جحده ، فلم يرضوا حتى قدحوا به ، قدحا شنيعا ، وجعلوه بمنزلة السحر الباطل ، الذي لا يأتي به إلّا أخبث الخلق ، وأعظمهم افتراء . والذي حملهم على ذلك ، طغيانهم بما متعهم اللّه به وآباءهم . [ 31 ]
وَقالُوا
مقترحين على اللّه بعقولهم الفاسدة :
لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
أي : معظّم عندهم ، مبجّل من أهل مكة ، وأهل الطائف ، كالوليد بن المغيرة ، ونحوه ، ممن هو عندهم عظيم . [ 32 ] قال اللّه ردا لاقتراحهم :
أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ
أي : أهم الخزان لرحمة اللّه ، وبيدهم تدبيرها ، فيعطون النبوة والرسالة من يشاءون ، ويمنعونها ممن يشاءون ؟
نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ
أي : في الحياة الدنيا ،
وَ
الحال أن
رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
من الدنيا . فإذا كانت معايش العباد وأرزاقهم الدنيوية بيد اللّه تعالى ، وهو الذي يقسمها بين عباده ، فيبسط الرزق على من يشاء ، ويضيقه على من يشاء ، بحسب حكمته ، فرحمته الدينية ، الّتي أعلاها النبوة والرسالة ، أحرى أن تكون بيد اللّه تعالى ، فاللّه أعلم حيث يجعل رسالته . فعلم أن اقتراحهم ساقط لاغ ، وأن التدبير للأمور كلها ، دينيها ودنيويها ، بيد اللّه وحده . هذا إقناع لهم ، من جهة غلطهم في الاقتراح ، الذي ليس في أيديهم منه شيء ، إن هو إلّا ظلم منهم ، ورد للحق . وقولهم :
لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
لو عرفوا حقائق الرجال ، والصفات الّتي بها يعرف علو قدر الرجل ، وعظم منزلته عند اللّه وعند خلقه ، لعلموا أن محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب