تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 918

مساهمون:

ص٩١٨
كل عمل يعرض للعبد . فإن للتأخير آفات . [ 48 ]
فَإِنْ أَعْرَضُوا
عمّا جئتم به بعد البيان التام
فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً
تحفظ أعمالهم ، وتسأل عنها .
إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ
فإذا أديت ما عليك ، فقد وجب أجرك على اللّه ، سواء استجابوا أم أعرضوا ، وحسابهم على اللّه الذي يحفظ عليهم صغير أعمالهم وكبيرها ، ظاهرها وباطنها . ثمّ ذكر تعالى حالة الإنسان ، وأنه إذا أذاقه رحمة ، من صحة بدن ، ورزق رغد ، وجاه ونحوه
فَرِحَ بِها
أي : فرح فرحا مقصورا عليها ، لا يتعداها ، ويلزم من ذلك ، طمأنينته بها ، وإعراضه عن المنعم .
وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ
أي : مرض ، أو فقر ، أو نحوهما
بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ
أي : طبيعته كفران النعمة السابقة ، والتسخط لما أصابه ، من السيئة . [ 49 - 50 ] هذه الآية ، فيها الإخبار عن سعة ملكه تعالى ، ونفوذ تصرفه في الملك في الخلق لما يشاء ، والتدبير لجميع الأمور . حتى أن تدبيره تعالى ، من عمومه ، أنه يتناول المخلوقة عن الأسباب لولادة الأولاد ، فاللّه تعالى هو الذي يعطيهم من الأولاد ما يشاء . فمن الخلق من يهب له إناثا ، ومنهم من يهب له ذكورا . ومنهم من يزوجه ، أي : يجمع له ذكورا وإناثا . ومنهم من يجعله عقيما ، لا يولد له .
إِنَّهُ عَلِيمٌ
بكل شيء
قَدِيرٌ
على كل شيء ، فيتصرف بعلمه وإتقانه الأشياء ، بقدرته في مخلوقاته . [ 51 ] لما قال المكذبون لرسل اللّه ، الكافرون باللّه :
لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ
من كبرهم وتجبرهم ، رد اللّه عليهم بهذه الآية الكريمة ، وبيّن أن تكليمه تعالى ، لا يكون إلا لخواص خلقه ، للأنبياء والمرسلين ، وصفوته من العالمين ، وأنه يكون على أحد هذه الأوجه . إما
أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً
بأن يلقي الوحي في قلب الرسول ، من غير إرسال ملك ، ولا مخاطبة منه شفاها .
أَوْ
يكلمه منه شفاها لكن
مِنْ وَراءِ حِجابٍ
كما حصل لموسى بن عمران ، كليم الرحمن .
أَوْ
يكلمه اللّه بواسطة الرسول الملكي
يُرْسِلَ رَسُولًا
كجبريل أو غيره من الملائكة .
فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ
أي : بإذن ربه ، لا بمجرد هواه
ما يَشاءُ
.
إِنَّهُ
تعالى
عَلِيٌّ
الذات على الأوصاف ، عظيمها على الأفعال ، قد قهر كل شيء ، ودانت له المخلوقات .
حَكِيمٌ
في وضعه كل شيء موضعه ، من المخلوقات والشرائع . [ 52 ]
وَكَذلِكَ
حين أوحينا إلى الرسل قبلك
أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا
وهو : هذا القرآن الكريم ، سماه روحا ، لأن الروح يحيا به الجسد ، والقرآن تحيا به القلوب والأرواح ، وتحيا به مصالح الدنيا والدين ، لما فيه من الخير الكثير ، والعلم الغزير . وهو محض منة اللّه على رسوله وعباده المؤمنين ، من غير سبب منهم ، ولهذا قال :
ما كُنْتَ تَدْرِي
أي : قبل نزوله عليك
مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ
أي : ليس عندك علم بأخبار الكتب السابقة ، ولا إيمان وعمل بالشرائع الإلهية ، بل كنت أميا ، لا تخط ولا تقرأ . فجاءك هذا الكتاب الذي
جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا
يستضيئون به في ظلمات الكفر والبدع ، والأهواء المردية ، ويعرفون به الحقائق ، ويهتدون به إلى الصراط المستقيم .
وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
أي : تبينه لهم وتوضحه ، وترغبهم فيه ، وتنهاهم عن ضده ، وترهبهم منه ثمّ فسّر الصراط المستقيم فقال : [ 53 ]
صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
أي : الصراط الذي نصبه